الجمعة، 6 أبريل 2012

انتهازية النخبة وغوغائية الشارع‏!‏ بقلم: السيد يسين



سؤال بات الملايين في بر مصر يطرحونه بقوة‏,‏ وهو هل الاستقرار السلطوي في ظل نظام الرئيس السابق مبارك أفضل من الموقف الراهن بعد الثورة‏,‏ الذي يتسم بالانفلات الأمني غير المسبوق والمظاهرات والاعتصامات التي لا تنتهي‏,‏ والمليونيات التي تعددت أسماؤها؟
تحتاج الإجابة علي هذا السؤال الذي يتردد كثيرا علي صفحات الإنترنت وفي مواقع الفيس بوك وعلي شفاه الجماهير في كل مكان, إلي تحليل دقيق لظاهرة انتهازية النخبة السياسية وغوغائية الشارع!
ولكن قبل أن نجيب, لابد أن نؤكد منذ البداية أننا كنا مع عديد من المثقفين النقديين والناشطين السياسيين ضد الاستقرار الشكلي في عهد مبارك, والذي لم يتحقق إلا عن طريق القهر السياسي وباستخدام الجهاز الأمني, الذي لم يتوان عن قمع المعارضين وعقاب المحتجين من أصحاب المطالب المشروعة, وكل ذلك في سياق اتسم بالخرق الفاضح لحقوق الإنسان.
والدليل علي معارضتنا وغيرنا من المثقفين علي هذا الاستقرار السياسي الهش, والذي كان في الواقع يخفي بركة فساد متسعة باتساع الوطن, ويكشف عن احتكار مقيت للسلطة, وإن كان قد رفع شعارات الديمقراطية, إننا كتبنا مقالة في الأهرام قررنا فيها بالنص هذه مرحلة من مراحل تاريخ مصر وصلت إلي منتهاها! بمعني أنه لابد من القيام بإصلاحات سياسية جذرية تبدأ بإلغاء حالة الطوارئ, وإيقاف عملية حصار الأحزاب السياسية المعارضة, وتتقدم نحو صياغة دستور جديد يحقق الحريات السياسية لمختلف الأطياف الإيديولوجية بدون إقصاء أي فصيل, وصياغة رؤية إستراتيجية لمصر يقوم علي تنفيذها أكثر العقول المصرية إبداعا, وكبار المتخصصين في كل الفروع, بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية.
والسؤال هنا لماذا تطرح الجماهير هذا السؤال الذي أثرناه, والذي يتجه إلي الحكم بأن ما قبل الثورة بالرغم من مثالبه وسيئاته أفضل بكثير مما حدث بعد الثورة؟
والإجابة تكمن في أن غياب القيادة المحددة لثورة25 يناير أدي في النهاية للأسف الشديد- إلي تشرذم قوي شباب الثورة, وانقسامها إلي مئات الائتلافات, وفشلهم في تقديم رؤية مستقبلية لمصر, مما أدي بالقوي السياسية التقليدية وخصوصا الإخوان المسلمين والتيارات السلفية, إلي أن تسيطر علي المشهد وتحشد ألوف البشر في ميدان التحرير في مليونيات تعددت أسماؤها وتكاثرت شعاراتها, والهدف منها في الواقع هو تخريب المسار السياسي بعد ثورة25 يناير!
وهذا المسار السياسي الذي اجتهد المجلس الأعلي للقوات المسلحة في رسم خطوطه بالاستعانة بمستشارين متعددين كان متعثرا في الواقع. وهذا التعثر ساعد عليه غياب التوافق السياسي بين النخبة علي كيفية إدارة المرحلة الانتقالية من الديكتاتورية إلي الديمقراطية.
وأدارت هذه النخبة السياسية التي تشكلت بعد الثورة من ائتلافات الثوار وأحزاب المعارضة القديمة والإخوان المسلمين والسلفيين وعشرات من الأحزاب الجديدة, حوارا عقيما حول هل الدستور أولا أم الانتخابات أولا؟
وبعد أن استقر الرأي علي إجراء الانتخابات وتنفست الجماهير الصعداء لعبور الأزمة وقرب الوصول إلي أول خطوة من خطوات الديمقراطية المبتغاة, قامت خلافات شتي حول وثيقة الدكتور السلمي التي حاولت أن تحدد القواعد الحاكمة للدستور. وأخطر من ذلك حشدت عديد من القوي السياسية جماهيرها للمطالبة بتسليم المجلس الأعلي للقوات المسلحة السلطة في أقرب وقت إلي سلطة مدنية. وبالغت بعض الدعوات حين طالبت بتشكيل مجلس انتقالي من المدنيين, وعودة العسكر إلي الثكنات. ولو تحقق هذا في غيبة أي وفاق سياسي لأدي حتما إلي خراب البلاد!
وقد ظهرت انتهازية النخبة في سلوكها في مجال الاتفاقات الخاصة بالقوائم الحزبية, وأصبح الدفاع عن الاتجاه السياسي لكل فصيل ليس هو القضية, ولكن كيف يمكن بأي وسيلة حتي لو كان ذلك ضد المبادئ السياسية المعلنة- الحصول علي أكبر عدد من مقاعد مجلس الشعب القادم.
وأخطر من ذلك كله النفاق المفضوح الذي تمارسه الفصائل المختلفة للنخبة السياسية لشباب الثوار, والتشدق بشعارات الثورة, في الوقت الذي يجبن فيه زعماء هذه الفصائل عن نقد السلوك المعيب بل والتخريبي الذي يمارسه بعض شباب الثوار, وخصوصا في مجال رفع مطالبات يستحيل تحقيقها, أو في مجال الهجوم المطلق علي المجلس الأعلي للقوات المسلحة والدعوة إلي إزالته بالكامل من المشهد السياسي, بدون التوضيح اللازم عن السلطة البديلة, وبغير الإشارة إلي احتمالات الفوضي العارمة التي يمكن أن تنشأ, نظرا لغياب سلطة مركزية لديها القدرة علي ردع المخربين الذين يسعون إلي تقويض أسس الدولة المصرية. ليس ذلك فقط بل إن النخبة الثقافية والسياسية لم تستطع أن تقوم بدورها في نقد غوغائية الشارع, والتي تمثلت في الهجوم علي قوات الأمن وحرق سيارات الشرطة والاعتداء علي أقسام الشرطة, وتخريب الممتلكات العامة والخاصة, وكل ذلك يتم زورا وبهتانا باسم الثورة.
مع أن هذا النقد أصبح ضروريا بعد أن تكشفت مخططات بعض القوي السياسية لتفكيك الدولة, من خلال حشد ملايين الجماهير وإذكاء طاقات العنف الكامنة لديها نتيجة احباطات متعددة سببها ولا شك هو السياسات المنحرفة لنظام الرئيس السابق مبارك.
وهذه الطاقات الهائلة للعنف أصبحت تعبر عنها ليست جماهير الثورة من الشباب الذين أشعلوا شعلة ثورة25 يناير فقط, ولكن مئات الآلاف من الشباب المحبطين الذين يعانون من البطالة ومن القهر الاجتماعي بكل صوره.
وهكذا أصبحت الحشود الجماهيرية التي تملأ ميدان التحرير وغيره من الميادين تضم بالإضافة إلي شباب الثوار, مئات الآلاف من سكان الأحياء العشوائية الذين أصبحت ممارسة العنف الشديد ضد سلطات الدولة هو أسلوبهم في الحياة, تعبيرا عن تمردهم علي أوضاعهم البائسة.
غير أن أخطر ما في الظواهر الفوضوية التي تتم تحت شعار المليونيات الثورية هو إذكاء روح العداء المطلق بين المتظاهرين ورجال الأمن, وخلق فجوة تتسع باستمرار بين الطرفين, وكأن هناك ثأرا لابد من تنفيذ أحكامه.
وقد جبنت القوي السياسية علي اختلاف مشاربها في النقد العلني الصريح لغوغائية الشارع, التي باتت تهدد أمن المواطنين, وتسهم في خراب البلاد من خلال تقويض أركان الدولة.
ويشهد علي كل ذلك ما يدور في ميدان التحرير حيث تغلق الطرق, وتوقف حركة سير السيارات في أحد مفاصل العاصمة الكبري, وأخطر من ذلك الاعتداء علي الممتلكات العامة, ومحاولة الزحف إلي مقر وزارة الداخلية لاقتحامه, كل ذلك والزعامات السياسية مشغولة بالانتخابات التي تسعي التيارات الدينية للسيطرة المطلقة عليها, لتأسيس حكم ديكتاتوري جديد باسم الدين هذه المرة!
بين انتهازية النخبة السياسية وجبن النخبة الثقافية وغوغائية الشارع, يمكن أن تضيع مصر!

السبت، 3 مارس 2012

الأهوال والأموال د/ ملحة عبد الله




في عالم شديد التشابك والتلاحم والاحتدام، نرى يقينا مناطق النزاع على المياه حسب المواثيق الدولية، ونرى أن أكبر تحد لدول الشرق الأوسط اليوم هو حل الصراع على منابع الماء
من منا ينظر إلى الأموال على أنها شيء غير مرغوب فيه؟ من منا ربط تعاسته وشقاءه باستدرار المال أو ربما بعدمه؟ البعض يعتقد أنني أقصد ذلك العناء الذي يجلبه طالب المال من سعي وكد، وإنما الحقيقة لدي هو ما يتركه المال لنا من سعادة ومن شقاء.
كل المنظرين وكل المحللين والدارسين أيقنوا أن المال أحد أسباب السعادة، فلا نتطرف ونقول أساس السعادة بأجملها ولسنا بصدد نفي ذلك أو إثباته، وإنما نتجول في رحاب المال ربما سعدنا أو شقينا فللتجول أدلة وبراهين تجعلنا نركن على حد هذين الركنين ونرتشف الحقيقة إن سعدنا أو قد نعض على النواجز إن كان غير ذلك.
كان العرب يستبشرون ويقيمون الولائم حين ينفجر لهم نبع أو يحفرون بئراً فلا يلبثون بضعة أشهر أو أيام حتى يفاجؤوا بسيل من الكر، وهذه من عادات العرب، ربما لندرة الماء لديهم وحبهم الشديد لمنابع الماء اتسم المجتمع بسمة الكر والفر.
والآبار شأن في تاريخنا نحسبه سمة الزهو والفخر والمال أيضاً، حتى في تراثنا الشعبي نربط البئر بالمال والعيش الرغيد، مثلما ترسخ في وجداننا من حكاية مثل حكاية علاء الدين الذي تحول من الشقاء إلى السعادة لحصوله على الفانوس السحري في داخل بئر تقذف الأماني. 
وحينما تفجرت لنا ينابيع البترول أيقنا أن الله قد استجاب لسيدنا إبراهيم هذه الدعوة بشقيها، الشق الأول إغداق الرزق على هذا البلد والشق الثاني وفود أفئدة من الناس.
إن الحديث عن البترول والطاقة أخذ من الباحثين والدارسين مأخذه فأصبحت دراسة الاستراتيجيات الدولية ترسم خرائطها حول النفط وللنفط فقط.
فاكتفت بعض الشعوب بالماء رمز النقاء والطهر وتيمنا بمبدأ السلامة تيقنا بأن الزيت والماء لا يجتمعان حسب الحتمية الكيمائية وبالتالي (فالبعد عن السعد غنيمة) إلا أن الزيت لم يعد يشبع نهم الباحثين عن الطاقة في حين أن الذود عن الغنيمة لم يعد أمراً تثق به القوة العالمية الباحثة عن الطاقة، فسعوا إلى الماء أيضاً ولم يتركوا للبدوي منابعه التي التف حولها منذ بدء الخليقة. فالعالم العربي بأكمله يتحرك من تحت أقدامنا والأرض تميد ليس لتراكم الزيت تحتها وإنما لوجود الماء كذريعة للوصول إلى الزيت، فكلاهما مصادر للطاقة، وكلاهما يجمعهما اسم واحد "بئر" وللبئر شأن في الوجدان العربي مصدر قوته، علماء النفس يقرون ما للوجدان من أثر على النصر أو على الهزيمة. 
إن أكبر تحد لدول الشرق الأوسط اليوم هو حل الصراع على منابع الماء، ففي تقرير صادر عن المركز الدولي من تأليف "فرانكلين فيشر" و"آنيت هيوبراي" بعنوان (الأصول السائلة منهج اقتصادي نحو إدارة المياه وحل الصراعات في الشرق الأوسط) وما يقدمه هذا التقرير من النظرة الشاسعة بأن المياه مصدر لا مفر منه للحروب في المستقبل إلا أنه يمكن التغلب على ذلك بالإدارة والحلول، فالمؤلفان يريان كلا من الطرفين المتنازعين يرى كل منهما أن ملكيته الكاملة لها تكمن في القيمة الاقتصادية للمياه كسلعة يمكن الاتجار بها، وهنا تتدخل القوى المانحة والصناديق الدولية لتمويل هذه المشروعات لصالح شعوب دول متنازعة كدول حوض النيل مثلا وقرار اجتماع أديس أبابا 2003، فتصبح النزاعات وحلها مدخلا لدول وأفئدة تهوي إلينا قسراً.
ثم ماذا إذا عن سد أليسو؟ إنه يعتبر من أكبر المشروعات المائية في القرن الواحد والعشرين وضع حجر الأساس له رئيس الوزراء التركي "رجب إردوغان " في عام 2006، فهو من أكبر السدود التي تقيمها تركيا على نهر دجلة فكيف نحدد حجم الأضرار التي يمكن أن تلحق بالعراق؟ ثم ماذا عن نهر الأردن الذي ذهبت إليه لأشاهد النهر العظيم الذي غنت له فيروز فما إن وصلت إليه حتى شاهدت قناة صغيرة فيها شيء من خرير الماء الرقراق المنساب بين حصواته، وحين سألت أين ذهب نهر الأردن العملاق قيل لي إن إسرائيل سرقته باجتذاب مياهه تجاهها! 
إنه عالم شديد التشابك والتلاحم والاحتدام، فها هي بين أيدينا مناطق النزاع وها هو الخطر نراه يقينا حسب المواثيق الدولية وهذا هو مستقبل أجيالنا المقبلة: 
• (تركيا، سورية، العراق) بسبب السدود التركية التي بنيت فعلا أو تدخل ضمن مشاريع مستقبلية لمياه نهري دجلة والفرات. 
• (إيران، العراق) اللذان يتنافسان على شط العرب، ملتقى دجلة والفرات. 
• (مصر، السودان، إثيوبيا) حول مياه النيل. 
• (مصر، السودان، ليبيا، تشاد، النيجر) التي يدور بينها خلاف على حقل مائي جوفي بعمق 800 متر. وتريد ليبيا استثماره لشق نهر اصطناعي لتمد بذلك سواحلها بالمياه العذبة. 
• (زامبيا، بوتسوانا، زيمبابوي، موزمبيق) حول تقاسم مياه نهر السنغال. 
حروب قادمة وعالم من التنازع بينما الموت عطشا والجفاف يهدد البعض الآخر. 
إن البدوي ـ المشتاق للمسة سلام مع الآخر ومع الذات والمكان ـ يربط أمتعته ويكز ناقته للبحث عن مكان خال من المشاحنات ليحيا حسب فطرته وطبيعته المتناسقة مع الطبيعة من هواء وماء وشعلة نار وقليل من اللبن والتمر في سلام. لكنه يصطدم بحقيقة مرة حينما يقال له احفر بئرا كي تعيش.. حينها يسقط لجام ناقته من يده وتشخص عيناه بعيدا.. ماذا بعد...

الأناركية والثورات العربية د/ ملحة عبد الله






بعد أفول نجم الاشتراكية في الحقب الزمانية الماضية، وبعد سطوع نجم الإسلاميين بعد الثورات العربية في تونس ومصر وغيرها من الدول العربية، نرصد تحرك تيار جديد تحت مسمى (الأناركية) مع الثورات العربية، فيجوب شعاره الملاعب ومحطات المترو وأغلب الأماكن متخذا من الدائرة الممزوجة بالأحمر والأسود "يتوسطها حرف A مقلوبا" شعارا له، وأغلب معتنقيه من الشباب، ولهذا التيار أسس وأهداف فهو البديل الذي يطرحه هذا التيار عن الرأسمالية والدولة، وأهم مبادئه أنه "النظام الاشتراكي التحرري الأناركي أوالنظام الاشتراكي. يتأسس على الملكية التشاركية (الكوميونالية) لكل من وسائل الإنتاج والعنف والمعرفة، باعتبارها مصادر السلطة المادية، لا ملكية الدولة العامة كما في رأسمالية الدولة، ولا الملكية الخاصة كما في رأسمالية الأفراد، ويقوم على احترام حقيقة تفرد الإنسان كفرد له سماته وشخصيته الفريدة، والذي تتعدد أبعاد شخصيته بسبب صفاته الجسدية والعقلية ومكتسباته الاجتماعية، وخبراته التاريخية، وقدراته الخاصة"، هذا ما يرتكز عليه هذا التيار الأناركي، كما أنهم يرون أن الإنسان مكبل بالعديد من القيود مثل الصفات الوراثية والأوضاع الاجتماعية مما يجعله مجبرا على اكتساب موروثاته وجنسه ولغته وثقافته وعقيدته وعاداته وتقاليده ومجمل وعيه، ولذا يجب تحرره من وجهة نظرهم. وقد دعا هذا التيار إلى الانضمام إليه طالما قارب سن الشباب لكي يتم تحريره من هذه القيود كما يرونها، ومن ثم تتعدد التشاركيات (الكوميونات) بغض النظر عن جنسه أو عرقه أو آرائه السياسية أو دينه أو قوميته أو وضعه الاجتماعي.
إن هذه السمات غالبا ما نلحظها في بعض التكتلات الشبابية - التي ترتدي هذا الشعار-، جيل جديد يتزعم مبادئ لا يدرك كنهها ولا يعلم من أين أتت ومن هم صانعوها، وهي أفكار ـ بلا شك ـ وافدة على المجتمع العربي بإرثه الكبير من معتقدات وعادات وتقاليد وأعراف. إن الانسلاخ من القيم الموروثة هو ما نظَّر له الغرب. ففي ندوة بعنوان (تفسير الربيع العربي من وجهة نظر أكاديمية أميركية) حفلت بالعديد من المنظرين ومنهم "مارتن إنديك" (نائب الرئيس والمدير، السياسة الخارجية، معهد BROOKINGS ). وأوليفر روي (الرئيس في Mediterranean Studies ) ـ معهد European University ـ وتوماس فريدمان (محرر في الـ New York Times). 
نجد مقدم الندوة يقدم أولفر روي فيقول: "كان أوليفر روي أحد أوائل الخبراء الذين ناقشوا الحاجة إلى الوقوف في الجانب الصحيح من التاريخ ودعم التغيير، التغيير الديمقراطي الذي فهم روي أنه سينتشر عبر العالم العربي من تونس. لقد قال إن الثورات العربية تشكل الثورات الأولى لما بعد الأسلمة".
وبالتالى فإن نظام الأناركي هو المثال من وجهة نظر روي وإنديك. إنديك يرى أن هؤلاء الشباب هم من يمثلون المجتمع الجديد في العالم فيقول: لماذا قلت إن الربيع العربي أمر لا رجعة فيه؟ بالنسبة لي هناك ثلاثة تغييرات رئيسة بالعمق في المجتمعات العربية؛ أولا.. إنهم أقل ارتباطاً بالعائلات الكبيرة، بالعائلات الممتدة. لديهم عدد أقل من الأطفال عندما ينجبون. إنهم أكثر اتصالاً, وأكثر عالمية وشمولية. غالباً ما يفهمون أو يتحدثون لغات أجنبية. إنهم على اطلاع. وهم لا يتبعون المجتمع الأبوي التقليدي، والثقافة الأبوية بالضبط، لأن البنى الأبوية، على وجه التحديد، هي الآن في حالة هبوط، لم تعد تعمل. إنهم أكثر تعلماً من آبائهم. إنهم أفضل من آبائهم".
ثم يثني روي على أهم ظاهرة، وهي الانسلاخ من القيم العربية فيقول: "إن الصورة الأبوية التقليدية عن الزعيم لم تعد تعمل بعد اليوم. فهم غير منجذبين للقادة الكاريزميين. إنه جيل السلام، ليس جيل القادة العظام. لذا، فإن نتيجة هذا الأمر – وهذا هو التغيير الثاني- هو أن هناك انهياراَ للثقافة العربية التقليدية – حسناً، كلمة تقليدي كلمة كبيرة – لكنه انهيار للثقافة العربية التقليدية المبنية على الشخصية الكاريزمية أو المبنية على الابن، كما تعلمون. فعادة ما يكون الأبناء أقل كاريزمية من آبائهم. لكن مع ذلك، كما تعلمون، كانت الفكرة أن هناك قائداً شرعياً كبيراً وأنه يفترض بالناس أن يكونوا موحدين، وأن أي نوع من أنواع الإيديولوجية، القومية، الإسلاموية، العروبة، مسألة لا تهم, وأن الديمقراطية هي ديمقراطية خارجية ـ أكثر من خارجية ـ هي مؤامرة لتدمير وحدة الشعب العربي".
ثم يستمر في محاضرته فيقول: "كل ذلك انتهى. إنهم يؤمنون بالديموقراطية، وليس بالمصطلح الثقافي للكلمة، إنما بشيء موجود في داخلنا جميعاً. هم لا يهتمون باتباع النماذج غير التقليدية، كما تعلمون. هم لا يؤمنون بالمؤامرة الغربية لتقويض القومية العربية. هم لا يكترثون للبروباغندا.. يريدون حكماً رشيداً ومواطنة جيدة"، وبهذا فإن خلع رداء العادات والتقاليد والقيم - من أبرزها إسقاط السلطة الأبوية والمتمثلة في احترام الكبير ووجود الشخص الرمز والقادة العظام - من متطلبات إنديك للعالم الجديد.
هذا هو النموذج لدى منظري العالم الجديد، حمى الله شبابنا وعاداتنا وتقاليدنا.. آمين.