‏إظهار الرسائل ذات التسميات يوسف ادريس. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات يوسف ادريس. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 5 ديسمبر 2011

طرقعة الأصابع التي غيرت مجري القصة فؤاد مرسي





حين سئل يوسف إدريس عن تعريف القصة القصيرة، فقط.. أشرع كفه وحك إبهامه بالوسطي، محدثا تلك الطرقعة الشهيرة، الدالة علي المباغتة والاكتناز والسرعة والتكثيف والإيجاز.. هكذا عرف إدريس القصة القصيرة وهكذا كان يكتبها وبتعريفه هذا اختصر إدريس كتبا كثيرة حاولت استكناه ملامح وجماليات أكثر الفنون قدرة علي المراوغة والخداع: القصة القصيرة، كنا كلما ضبطنا أنفسنا غارقين في لجتها دون جدوي فعلية، نتذكر حركته تلك ونحاول أن نكتب وفقا لمقاييسها، ساعين لإحداث الشرارة الرقيقة ، الهادئة، التي تشتبك بالوعي مباشرة وتقر فيه، وإذا فشلنا ، لذنا بقصته «نظرة» (1953)، نستلهم منها الأمل في مراودة السر وفض المغاليق أو نقرأ - ربما - للمرة الألف «المرتبة المقعرة» (1969)، نتلوها بصوت عالٍ، علي أنفسنا، وفي حضرة من نحب ومن يتوق لملامسة الأفق، واقترح هنا أن نقرؤهما من جديد. 


نظرة 


كان غريبا أن تسأل طفلة صغيرة مثلها إنسانا كبيرا مثلي لا تعرفه في بساطة وبراءة أن يعدل من وضع ما تحمله، وكان ما تحمله معقدا حقا ففوق رأسها تستقر «صينية بطاطس بالفرن»، وفوق هذه الصينية الصغيرة يستوي حوض واسع من الصاج مفروش بالفطائر المخبوزة، وكان الحوض قد انزلق رغم قبضتها الدقيقة التي استماتت عليه حتي أصبح ما تحمله كله مهددا بالسقوط. 
ولم تطل دهشتي وأنا أحدق في الطفلة الصغيرة الحيري، وأسرعت لإنقاذ الحمل، وتلمست سبلا كثيرة وأنا أسوي الصينية فيميل الحوض، وأعدل من وضع الصاج فتميل الصينية. ثم أضبطهما معا فيميل رأسها هي. ولكنني نجحت أخيرا في تثبيت الحمل، وزيادة في الاطمئنان نصحتها أن تعود إلي الفرن وكان قريبا، حيث تترك الصاج وتعود فتأخذه. 
ولست أدري ما دار في رأسها، فما كنت أري لها رأسا وقد حجبه الحمل. كل ما حدث أنها انتظرت قليلا لتتأكد من قبضتها ثم مضت وهي تغمغم بكلام كثير، لم تلتقط أذناي منه غير كلمة (ستي).. 
ولم أحول عيني عنها وهي تخترق الشارع العريض المزدحم بالسيارات، ولا عن ثوبها الواسع المهلهل الذي يشبه قطعة القماش التي ينظف بها الفرن، أو حتي عن رجليها اللتين كانتا تطلان من ذيله الممزق كمسمارين رفيعين. 
وراقبتها في عجب وهي تنشب قدميها العاريتين كمخالب الكتكوت في الأرض، وتهتز وهي تتحرك، ثم تنظر هنا وهناك بالفتحات الصغيرة الداكنة السوداء في وجهها، وتخطو خطوات ثابتة قليلة، وقد تتمايل بعض الشيء ولكنها سرعان ما تستأنف المضي. 
راقبتها طويلا حتي امتصتني كل دقيقة من حركاتها، فقد كنت أتوقع في كل ثانية أن تحدث الكارثة. 
وأخيرا استطاعت الخادمة الطفلة أن تخترق الشارع المزدحم في بطء كحكمة الكبار. 
واستأنفت سيرها علي الجانب الآخر، وقبل أن تختفي شاهدتها تتوقف ولا تتحرك. 
وكادت عربة تدهمني وأنا أسرع لإنقاذها. وحين وصلت كان كل شيء علي ما يرام والحوض والصينية في أتم اعتدال، أما هي فكانت واقفة في ثبات تتفرج، ووجهها المنكمش الأسمر يتابع كرة من المطاط يتقاذفها أطفال في مثل حجمها وأكبر منها، وهم يهللون ويصرخون ويضحكون. 
ولم تلحظني، ولم تتوقف كثيرا، فمن جديد راحت مخالبها الدقيقة تمضي بها. وقبل أن تنحرف استدارت علي مهل واستدار الحمل معها، وألقت علي الكرة والأطفال نظرة طويلة ثم ابتلعتها الحارة. 


المرتبة المقعرة 


« في ليلة الدخلة » و«المرتبة» جديدة وعالية ومنفوشة، رقد فوقها بجسده الفارع الضخم، واستراح إلي نعومتها وفخامتها، وقال لزوجته التي كانت واقفة إذ ذاك بجوار النافذة : 
- انظري .. هل تغيرت الدنيا ؟ 
ونظرت الزوجة من النافذة، وقالت : 
- لا ... لم تتغير. 


- فلأنم يوما إذن. 
ونام أسبوعا، وحين صحا كان جسده قد غور قليلا في المرتبة. فرمق زوجته وقال: 
- انظري.. هل تغيرت الدنيا؟ 
فنظرت الزوجة من النافذة، ثم قالت : 
- لا .. لم تتغير. 
- فلأنم أسبوعا إذن. 
ونام عاما، وحين صحا كانت الحفرة التي حفرها جسده في المرتبة قد عمقت أكثر، فقال لزوجته : 
- انظري.. هل تغيرت الدنيا؟ 
فنظرت الزوجة من النافذة ثم قالت : 
- لا .. لم تتغير. 
- فلأنم عاما إذن. 
ونام عشرة أعوام. كانت المرتبة قد صنعت لجسده أخدودا عميقا. وكان قد مات وسحبوا الملاءة فوقه فاستوي سطحها بلا أي انبعاج، وحملوه بالمرتبة التي تحولت إلي لحد وألقوه من النافذة إلي أرض الشارع الصلبة. 
حينذاك وبعد أن شاهدت سقوط المرتبة اللحد حتي مستقرها الأخير، نظرت الزوجة من النافذة، وأدارت بصرها في الفضاء، وقالت : 
- يا إلهي ! لقد تغيرت الدنيا ! 


*** 


هكذا كانت قصص يوسف إدريس، درسَ حضرة الناظر، الذي رسم خطا قصيرا ودقيقا، ليصل بين أهم نقطتين في الخريطة، ولسانه يقول موضحا: إن لغة القصة يجب أن توزن بميزان الذهب . 
إنها إذن.. الذرات الصغيرة التي لا تلتقطها غير عين الساعاتي ولا يقيم وزنها إلا بائع الذهب، وحده يستطيع أن يفصل بين الحقيقي والمختلق، وهكذا كان «الأستاذ يوسف»، يملك أصابع حرفي خبير وعين وعقل فيلسوف عظيم.. إنه نافخ الروح في القصة المصرية، وهو المنذور للأزمات دوما والتي إن لم تأت إليه سعي إليها. 
جرأته لم تتجل - فقط - يوم صحح عامل المطبعة عنوان مجموعته الأولي: أرخص ليالي (1953)، إلي أرخص ليال، فأصر إدريس علي ليالي وحين استغلق علي الناس فهم مقصده وطاله هجوم اللغويين والنقاد، أعلن: أنا أنطقها هكذا، وأوضح: إنني ملتزم في كتاباتي بقواعد الحياة وليس بقواعد النحو، ليتحول كل ما يكتبه ويقوله فيما بعد إلي حبوب فوارة تقلب محتويات الكوب الهادئ، المستقر، فتقينا أمراض الاستطراد، وخدعة الجمل الأليفة، والكتابة عن نماذج مستهلكة، جاهزة على رف «التلاجة». 
يفاجؤك إدريس بأبطال من لحم هذا الواقع، لكنهم يدورون في سياق خاص بهم، أشبه بأحلام اليقظة، حيث تختلط الرغبات ، فتشتبك الفانتازيا بالواقع والحقيقة بالعبث، وحيث «لا يمكن للوصف المنهجي أن يضارع في بلاغته أكثر قصص يوسف إدريس قصرا- المرتبة المقعرة» (ب.م. كربر شويك) . 
من هذه المنطقة المتوترة يطل عليك وجه عبد الكريم في أرخص ليالي (1953)، ومحمد في قصة صح (1956)، والبطل (1957،) والشيخ شيخة (1957)، ومسحوق الهمس (1967)، والإمام في قصة أكان لابد يا ليلي أن تضيئي النور (1970)، وزوج الأم في : بيت من لحم (1971)، كلها نماذج تشبه الموسيقي، التي تتفجر من أعطاف غامضة، لتأخذك إلي حيث تظن الحقيقة كاملة وهي لم تزدك إلا عطشا للجمال والمعرفة. 
«عرفت يوسف إدريس وجها غزير الملامح المتغيرة دون انقطاع، حتي بدت لي في بعض الأوقات كأنها أقنعة لا تحصي» غالي شكري. 
حالة إبداعية كاملة تفجرها فيك قراءة إدريس، الذي ستظل قصصه مرجعا لا ينضب، لكل من يريد أن يكتسب خبرة هذا الفن: شخوصا ولغة وحبكة، ومقدرة فذة على تمرير الأفكار الضخمة عبر تفاصيل متناهية الصغر، مثل أن يلعب محمد بحجر أبيض علي جدران قصور جاردن سيتي في قصة «صح»، ليحدث بهذا العبث الصبياني البسيط خرقا بالغا في هندسة الصرامة 

يوسف إدريس وصاحب السيدة العجوزة .. يتمشيان على بحيرة الفلسفة







أين يقف الإنسان من الكون .. فى المركز أم على الهامش؟ أيهما يدبر أمره .. قدر وإرادة أم الصدفة ؟ أين تقع الحقيقة وما هى حدودها التى يمكن الوصول إليها، وهل فى مقدور الإنسان أن يصل ليقين مطلق ويحيط بواقعه إذا تطورت أدواته أم سيظل الواقع يتسع أيضا فيتأبى عن يقين الإنسان ؟.. المسرح .. الأبطال .. يوسف إدريس ودورينمات .. عقلان كبيران يعملان معا فى هذا الحوار الفلسفى الخلاق الذى أداره كاتبنا الكبير يوسف إدريس مع المسرحى السويسرى الأشهر فريدريك دورينمات ..صاحب زيارة السيدة العجوز، هبط الملاك فى بابل ، وعلماء الطبيعة وغيرها من المسرحيات التى أثرت الخيال المسرحى العالمى ووضعت اسم دورينمات فى مصاف كتاب المسرح الأهم فى العالم.. الحوار أورده إدريس فى كتابه عزف منفرد .. 
........ 
د/يوسف :أستاذ دورنمات ..أنا شديد الإعجاب بمسرحك لسبب قد يخالفنى فيه الكثير من نقادك , فنقادك يشيدون بك لأنك أحللت الصدفة محل القدر الإغريقى القديم , وجعلت التفكير العقلانى فكرة فى أحيان كثيرة موجات من العبثية واللامفهومية , وفى مثل هذا الجو غير المعقول لا يمكن وجود الأبطال ويقولون أنك حطمت النظرة المنمقة المرئية للعالم المتمدين بما أدخلته عليها من النظرة النسبية للحقائق, وفى مكان البناء السليم المتكامل والقوانين الأخلاقية المطلقة, فى مكان هذا حلت بيروقراطية المجتمع الحديث لتضع رؤيا عينية للكون حيث يستحيل فيه الإنسان ومأساته إلى سخرة (فارس) اجتماعية .. نقادك يقدرونك لهذا .. ولكنى معجب بك لسبب آخر تماما .. 
دورنمات :أى سبب ..؟ 

د/يوسف : لأنك كمسرحى خالق لما أسمية الأسطورة الحديثة , فالواقع كما هو , أنت تعرف وأنا أعرف لا يصلح بذاته كمادة مسرحية , لابد من حيلة مسرحية يلجأ اليها كاتب المسرح ليجعل هذا الواقع إما أن ينقلب رأسا على عقب وإما أن يعتدل إذا كان مقلوبا لنستطيع أن نراه فى ضوء جديد تماما وبرؤيا جديدة تماما , فمثلا فى مسرحية زيارة السيدة العجوز أنت تريد أن تتحدث عما يحدثه العامل المادى فى النفوس البشرية وكيف يتسلط عليها ويغيرها ؟ غيرك كان يلجأ لعرض هذا الموضوع فى قالب درامى مهما بلغت درجة إتقانه فسوف يكون مباشرا, أنت اخترعت قصة السيدة التى غادرت القرية منبوذة من حبيبها والتى عادت إليها بعد أن أصبحت غنية جدا ورصدت مليون دولار لمن يقتل لها حبيبها السابق , هذه (الاختراعة ) المسرحية جعلتنا نرى الموضوع بطريقة مسرحية مثلى 
وجعلتنا نراه وكأننا لم نره من قبل مع أننا كنا نراه كل يوم , أردت لقاءك إذن ومناقشتك لأننا فى العالم العربى نعانى ككتاب مسرح (وأنا منهم ) لخلق هذه الاختراعات المسرحية المصرية والعربية الحديثة لنرى واقعنا وواقع العالم العربى على ضوئها . 
دورنمات : إنه لشىء غريب , ولكننا فى خلقنا للإسطورة الحديثة كما تسميها نجد أنفسنا فى النهاية وقد عدنا الى أساطير الأقدمين , الميثولوجيا الإغريقية مثلا , إن النظرة الكونية الشاملة الكاملة كانت منذ خمسين عاما مضت لا يمكن الوصول إليها على وجه الدقة , ولكننا الآن نستطيع أن نقول إننا نقف على أرضية نظرة كونية ثابتة . نحن لدينا اليوم فكرة شبه يقينية عن ماهية المادة 
د/ يوسف : إننى سعيد بسماع هذا .. فأنا أحتاج وأنا أكتب مسرحياتى إلى أن أقف على أرضية كونية ثابتة .. وحين كنت أكتب مسرحية لى اسمها 
"الفرافير " احتجت أن أعثر على قانون واحد يشمل كل مادة الكون من 
أصغر ذراتها والكتروناتها إلى أكبر مجراتها .. 
دورنمات : وهل وصلت إليه .. 
د/ يوسف: وصليت الى ماتفضلت وأسميته أنت ( شبه اليقين ) فبإمعان التفكير وصلت إلى أن المادة فى حالة نبض مستمر .. تتجاذب مكوناتها من مكونات الذرة الى مكونات المجرة وتظل تتجاذب إلى أن تصل إلى ما أسميته المسافة الحرجة لتبدأ قوى التجاذب تتحول فجأة إلى قوى تنافر منفجر هائل .. وهذا القانون يشمل حتى العلاقات البشرية من تقارب وحب ثم تنافر وتباعد ومن العلاقات داخل المجتمعات وبين الدول وهكذا 
دورنمات : وماذا دفعك للبحث عن ذلك القانون الجديد , أو لم تكفك القوانين الحالية لتفسير السلوك البشرى .. ؟ 
د/ يوسف : إن القوانين الحالية لعلم الطبيعة والكيمياء والبيولوجى والانثر وبيولوجى لم تكن لتسعفنى لتفسير العلاقة بين السيد والفرفور 
" نسبة إلى مسرحية الفرافير " . 
دورنمات : أنا لا أستطيع أن أناقشك فى تصورك عن هذا القانون الكونى الواحد ولكنى شخصيا أومن بقانون واحد آخر هو قانون الصدفة , إن العالم الذى نحيا فيه بما يحتويه من بشر ليس له قدر محتوم يسير إليه 
وينتهى بنهايته , ولهذا نحن لا يمكن أن نتنبأ بما سيحدث لهذا العالم غدا 
لأن العالم يسير بطريق الصدفة العشوائية , ولا يمكن التنبؤ على وجه الدقة بما سوف يحدث , فالأمر متروك لقانون الصدفة المحضة . 
د/ يوسف : هل تعتقد ياأستاذ دورنمات أن المسألة مجرد صدفة , حتى ولو كانت قانونا . 
دورنمات : نعم أنا أعتقد أن الحتمية – حتى التاريخية منها – قد استبدلت بالاحتمالية , بمجرد أن هناك احتمال أن يحدث هذا الشىء أو ذاك . 
د/ يوسف : ألا يمكن أن تكون الاحتمالية طريقا للحتمية , أو بالأصح هل من الممكن أن تؤدى الاحتمالية إلى الحتمية ..؟ 
بمعنى آخر الاحتمالية مهما كثرت فلها حدود , فهل يمكن أن تؤدى الاحتمالية فى النهاية الى الحتمية . 
دورنمات : لنعد إلى قانونك الذى تصورته عن الكون ( قانون النبض الكونى أو التجازب للتنافر ) أنا آخذ هذا القانون مأخذا علميا جادا أو بالأصح افتراضا علميا جادا , فمن المعروف أن الكون الآن فى حالة تمدد 
( حسب نظرية أينشتين ) أو ما نسميه مرحلة التنافر , فهل هناك قوة داخلية فيه تستطيع أن تبدأ مرحلة التجاذب ..؟ 
د/ يوسف : إنه لا يتحدد – حسب افتراضى – من تلقاء نفسه , إنه يتحدد لأنه بالضرورة ينجذب أو تنجذب أطرافه إلى أكوان بعيدة أخرى , بمعنى أن المادة الكونية كلها – من الذرات إلى المجرات – تتجاذب بنفس السرعة , بل وتقطع فى انجذابها نفس النسبة من المسافة إلى أن تصل الى النقطة الحرجة فتنفجر متنافرة ثم تعود لتتجاذب وهكذا . 
فالقوة أو القانون الأساسى ليس شيئا من خارج الكون .. ولكنه كامن داخله .. التجاذب للتنافر . 
دورنمات : إنه احتمال وارد , بل هو فى الحقيقة تفسيرنا نحن الكتاب أو افتراضاتنا عما يجرى داخل الكون ومادته , إن فكرة الكون نفسها هى تصورنا نحن عن الكون , إن فكرة جاليليو عن الكون كانت صحيحة فى عصرها تماما , ولكنه لم يكن يملك الأدوات أو الأجهزة التى تمكنه من اثباتها عمليا والتأكد من صحتها , وصحة أن المادة تدور فى حلقات وحول نفسها , ونحن الآن عائدون إلى تصورات أخرى عن الكون , وما الفن الا تجسيد لتصورنا نحن عن هذا التصور . 
د/ يوسف : لو أخذنا دورنمات حين بدأ يرسم ويكتب فى أوائل بداياته أعوام 43, 44, 45 , وأخذنا تصوره للكون .. 
هل تغير هذا التصور ...؟ 
دورنمات : أنا كنت أدرس الفلسفة , وكان اكتشافى للفليسوف نقطة تحول فى حياتى فقد كان صاحب نظرية التلقى وصاحب نظرية التفرقة بين التفكير والوجود , وصاحب الرأي القائل بأن الإنسان يفكر فى الكون مستعينا بالمفردات البشرية التى يراها ويحيا بها , وليس بالموجودات الحقيقية فى الكون بمعنى آخر هو لايرى ولا يدرك حقيقة الكون , ولكنه ( يتصوره ) على هيئة أشياء يراها من حوله . وهكذا وصل إلى أن التفكير الرياضى والحسابى هو أنقى أنواع التفكير فى الكون , فهى مجردات وأرقام ( والأرقام أيضا مجردات ) لاتحتك بالحقيقة من قريب أو بعيد , إن حقائق الطبيعة لايمكن تجسيدها إلا بالرموز الرياضية والرياضية فقط , 
وهذا فى حد ذاته يحدد تلك الحقائق الكونية تحديدا كبيرا .. 
إن الحرية الحقيقية هى فى إدراك محدودية القدرة البشرية على فهم الكون . 
د/ يوسف : نعم فلقد جعلت الصراع فى مسرحيتى بين رغبة الإنسان العارمة فى التحرر من النظام الكونى ( السيد) وبين قدرته المحدودة 
على الفكاك من أسر هذا النظام نفسه , إذ لو فك منه تماما لفقد صفة البشرية ونظام وجوده . 
دورنمات : ولكن النظام ليس خارج الإنسان , إنه داخل الإنسان نفسه . 
د/ يوسف : ولكن كنت أتحدث عن الوجود الإنسانى فى هيئة جماعة بشرية فالإنسان لايحيا بمفرده , ولا يوجد مكون من مكونات الكون بمفرده أيضا حتى الذرات توجد فى مجتمعات ولابد من نظام يحكم وجودها الجماعى . 
دورنمات : أنت تقول إن الإنسان لايمكن أن يعيش خارج نظامه الإنسانى وأن النظام لايمكن أن يعيش خارج الإنسان , فكيف عالجت هذه المعادلة المستحيلة ...؟ 
د/ يوسف : بالصراع حول من يكون السيد .. النظام ..أو .. الانسان .. 
د/ يوسف :إننى أعتبر أن الإنسان إنسان بقدر تمرده على نظام وجوده، بقدر قوة تمرده تكون قوته كإنسان , صحيح إنه تمرد ميئوس منه , إلا أن الاستسلام الكامل للنظام , لأى نظام موجود , هو الاستكانة , والسكون هو الموت . 
دورنمات : رغم أن أرسطو يقول إن الإنسان كائن سياسى , الا أننى أعتقد إن الانسان كائن (ذكرى – انثوى ) وأنا أرى أنك لم تتحدث عن الرجل والمرأة باعتبارهما النظام الاساسى للمجتمع البشرى . 
د/ يوسف : لو كان الرجل والمرأة وحدهما على سطح الكرة الأرضية لأصبح هذا هو النظام الإنسانى , ولكنهما لم يوجدا هكذا بمفردهما إلا فى قصة آدم وحواء , 
هما موجودان باستمرار داخل مجتمعات مثلهما مثل أدق الكائنات . 
دورنمات : ولكن هذا كما قلت لك مجرد تصورنا نحن لوجود المادة فى هذه المرحلة من إدراكنا العلمى , ولهذا فأنا أفضل النظرة الفلسفية لأنها تقوم على افتراض منطق للوجود , وهى فى نفس الوقت ليست حقيقة علمية , إنها خيال علمى واسع مثلها مثل الروايات والمسرحيات , مجرد افتراضات وليست حقيقة علمية ممكنا إثباتها بالميكروسكوب أو التليسكوب . 
د/ يوسف :أمعنى هذا أنك لاتعتقد أن هناك حقيقة موضوعية , حقيقية موجودة خارجنا ..؟ 
دورنمات :هناك حقيقة –هذا لاشك فيه – ولكننا لاندرك إلا جزء من تلك الحقيقة أىً تلك الأجزاء ندركها , هذا هو السؤال . بل انه مهما كان تفكيرنا حتى ولو كان تفكيرا عبثيا فنحن بالضرورة نمسك بجزء ولو ضئيلا من الحقيقة بالضبط كما لو كنا نمسك ببطارية كشافة نجول بها فى أنحاء غرفة مظلمة فلا نرى فى المرة الواحدة إلا أجزاء من محتويات الغرفة . 
د/ يوسف : أو كما يقولون عن النملة حين لايمكنها أبدا أن ترى الفيل كله .. إنها ترى نتوءات وأشياء بارزة وهضبات , انما لايمكن أن تدرك –أو حتى تتخيل اذا كان بإستطاعتها أن تتخيل – أن هذه كلها تشكل كائنا هائل الحجم حيا اسمه الفيل . 
ولهذا دعنى أسألك : ألا تعتقد أن الانسان كتلك النملة كما قلنا تكتسب كل يوم بتكنولوجيا تها واكتشافاتها وادراكاتها المتقدمة قدرات أكثر بكثير من حجمها الصغير , 
بحيث أنه من الممكن لهذه النملة أن تكبر تماما ويكبر خيالها وتكبر عيونها حتى تصل الى درجة تستطيع أن ترى الفيل فيلا فعلا . 
دورنمات : ممكن أن تكبر النملة فعلا وتكبر حواسها كما قلت , ولكن الفيل أيضا 
لن يظل كما هو , إنه هو الآخر لن يظل نفس الفيل , سيظل يكبر ويكبر . 
د/ يوسف : كما قلت لك ياأستاذ دورنمات , لقد قرأت بعض آراء النقاد عن مسرحك , ولكنى أنا شخصيا أعتقد أن أحد منهم لم يكتشف خاصيتك الأصيلة وهى قدرتك و طريقتك فى اختراع الفانتازيا والأسطورة العصرية لاختراق عالمنا الحالى بطريقة تعريه تماما , فهل أنت معى فى هذا وهل نستطيع أن نسمى مسرحك الفانتزيا " الخيالية " الحديثة . 
دورنمات : إن الفنتازيا جزء لايتجزء من التركيب "العقلانى " للإنسان , إن الخيال فى معظمه منطقى أيضا , إن الرياضة هى المعادل المتخيل الموجود للمنطق , ومع هذا فالرياضة أيضا فنتازيا لأنها تخيل للأشياء على هيئة أرقام أو رموز , انك فى الكتابة تحتاج إلى اكتشاف الرؤية المتخيلة الأولية سواء أكانت رؤية عظمى أو غير عظمى , ولكنها رؤية جديدة مختلفة . بعد هذا الكشف الأول تصبح عملية الكتابة للمسرح وكأنها لعبة شطرنج محسوبة خطواتها , ففى مسرحية مثل أوديب نجد الرؤية العظمى تهبط علينا على هيئة نبوءة من آلهة الأوليمب تقول له أنه سيقتل أباه ويتزوج أمه مثلا , ويريد أوديب أن يتجنب هذه النبوءة أو الرؤية فيتجنبها بواسطة خطوات منطقية محسوبة مسرحيا أو تراجيديا كما تحب أن تسميها , ثم نجد أننا قد وصلنا مع أوديب الى نقطة لاتخضع للحساب , لماذا يذهب الى تلك المدينة " طيبة " التى فيها أمه وأبوه على وجه التحديد , هذه المسألة تحدث صدفة إذ هنا لابد أن يعمل قانون الصدفة . 
د/ يوسف : ولماذا لا نسميه قانون القدر أو الحتم . 
دورنمات : لأنه من الممكن ببساطة أن يذهب الى مدينة أخرى , حتى لو أجريت عليه قوانين الحتمية كما نسميها , كان من الممكن أن يختار أقرب مدينة أو أجمل 
مدينة أو أشهر مدينة , أما أن يختار " طيبة " بالذات فهذا أمر لايمكن أن تحكمه 
إلا الصدفة والصدفة وحدها . 
د/ يوسف : إنه أمر فى رأيى لم يحكمه قانون الصدفة , ولكن حكمته إرادة المؤلف 
المسرحى الإغريقى الذى كتب أوديب الأولى . 
دورنمات : إن هذا الكاتب أيضا لم يكن يحكم نفسه وهو "يؤلف " هذه الصدفة . 
د/ يوسف :إذن أنت معى أن هناك قوة أو دافعا أكبر من الصدفة هو الذى جعله يختار هذا الأختيار . 
دورنمارت : ولكنه اختيار يفرضه العمل الفنى المسرحى . 
د/ يوسف : ولكن الفن المسرحى ليس فى حد ذاته قوة تستطيع أن تفرض قوانينها 
أو مسارها . 
دورنمات :فى الحقيقة أننا نحن الكتاب لانعرف القوانين التى تحكم خلقنا للشخصيات والأحداث . 
د/ يوسف : والمصادفات 
دورنمات : والمصادفات 
د/ يوسف : ماذا عنك أنت , ألم تحاول أن تتعرف على طريقتك التى بواسطتها تختار الأشخاص والأحداث والمصادفات . 
دورنمات : سأقول لك شيئا عن مسرحيتى " علماء الطبيعة " وهى مسرحية فى مفهومها العام تقول إن بعض علماء الطبيعة الألمان ادعوا الجنون ولجأوا إلى مصحة أمراض عقلية خوفا من أن تنتزع منهم المعلومات عن القنبلة الذرية ويستعملها هتلر فى إبادة الجنس غير الآرى كله – إن العلماء الأمريكان وصلوا مثلا إلى اكتشاف القنبلة الذرية لأنهم كانوا تعتقدون أن العلماء الألمان سبقوهم الى اكتشافها , هكذا كان اينشتين الذى كان قد هاجر الى امريكا وأبو القنبلة الذرية أوبنهيمر وغيرهما وصحيح كان هناك تجمع كبير من علماء الطبيعة النووية الألمان فى ألمانيا ولكنهم لم يكن فى نيتهم أن ينتجوا قنبلة ذرية أبدا ..وأن هتلر لم يكن يحفل كثيرا بجهود العلماء فى الحرب وكان يسميهم اليهود البيض لأنهم كانوا فى معظمهم من تلاميذ وأتباع اينشتين اليهودى .. 
فى مسرحيتى "علماء الطبيعة " يلجأ أحد أبطالها لمصحة الأمراض العقلية لأنه يعرف خطورة المعلومات التى اكتشفها ووصل اليها , وماذا يمكن أن يصنع بها هتلر وعصابته .؟ لقد تجنب ماأراد تجنبه بإدعاء الجنون ودخول المصحة , ولكنه فى المصحة يقع بين يدي طبيبة المصحة المتحمسة للنظام بنفس الطريقه التى يقع فيها "أوديب " بالصدفة فى يد أمه " طيبه " وهذا هو مايمكن أن نسميه "بالقدر"الذى لايمكن للإنسان أن يتجنبه . 
د/ يوسف : يسعدنى هذا الحديث تماما , فقد كنت أرى انتاجك وأنا أقرؤه وأشاهده 
مجرد نصوص مسرحية رائعة أرى واجهتها الخارجية فقط أما الآن فأنا أرى دورنمات الكاتب , دورنمات الداخلى وهو يعمل وكيف يبدع فكرته , أراه حتى وهو يحرك أبطاله بطريقى ميكانيكية رياضية محسوبة مقدما كلعبة الشطرنج , ولكن لتسمح لى أن أختلف معك فالأبطال ليسوا أشياء تخضع تماما لقوانين الرياضة والحساب ,إنى أعتقد أنك تقلل من قيمة أبطالك بهذا الحديث .إنى أراهم كائنات حية نابضة , أكثر حياة ربما من البشر العاديين , وهذا هو بالضبط المسرح ,إننا لانسمى الشخصية المسرحية "بطلا " عبثا إنه بطل لأنه من المحتم قطعا أن يكون غير عادى حتى ولو كان رجل شارع , أو على الأقل تكون عاديته غير عادية تماما . 
دورنمات :هذا طبيعى جدا ,إن الأبطال المسرحيين مجرد نظريات على الورق تتحول الى كائنات حية على المسرح , وهذا عمل كاتب المسرح . 
د/يوسف :أم عمل المخرج ..؟ 
دورنمات :أرجوك لا تذكرنى بالنجوم والمخرجين , إن تدهور المسرح الألمانى سببه ارتفاع تكاليف الإنتاج المسرحى من ناحية ومن ناحية أهم هؤلاء المخرجون النجوم فكل مخرج منهم يريد أن يكون هو "نجم " العرض المسرحى , وأن يحبس الجمهور رغم عدم ظهوره أنه هو النجم وهذا بالطبع لايحدث إلا على حساب المسرحية والممثلين . 
إنى أقصد أن أقول إن النص المسرحى يبدوا كانظرية على الورق ولكن الكاتب المسرحى الحقيقى هو الذى يكتب بتصوًر أنه هو الذى سيخرج المسرحية وهكذا ينبض النص بالحياة على المسرح. 

سورة البقرة من بيت من لحم





ما كادت الفاتحة تقرأ ويسترد يده من يد الرجل، ومبروك! ويتأمل مليًـا البقرة التي حصل عليها، ثم يتوكل ويسحبها خارجًا، حتى بعد خطوات قليلة وضع فلاح شاب طويل مهول يده فوق اليد الممسكة بالحبل، وبقوة الضغط والعضلات أوقفه قائلاً 
ألا قول لي يا شيخ.. بالذمة والأمانة والديانة.. وقعت بكام؟ وحتى لو لم يذممه فقد كان يريد قول الحقيقة لكي يعرف من وقع الرقم إن كان هو الخاسر أم الكاسب في الصفقة، أجاب 
بالذمة والأمانة والديانة بسبعة وتمانين جنيه وربع وبريزة للسمسار.. ولم يتح له أن يقرأ شيئا في وجه الشاب الضخم، فما كاد يقول الرقم حتى كان الشاب وكأنما انتهى غرضه منه تمامًا، فسحب يده ومضى إلى حاله مغمغما بكلام مضغوط لا يلوي على شيء. وبعد باب السوق بخطوة اندفع ناحيته رجل بشارب هائش وصوت مزعج عال وكرش، قائلاً 
سلام عليكم 
سلام ورحمة الله. 
بالذمة والأمانة يا شيخ بكام؟ وبصوت واضح، وحرص شديد هذه المرة على ألا تفوته بادرة، فالبقرة أيام جده كانت بثلاثة جنيهات، وكان أبوه رحمة الله عليه يقول له أن أول بقرة اشتراها في حياته كانت بخمسة، قال: 
بالذمة والأمانة بسبعة وتمانين وربع وبريزة للسمسار. 
قال الرجل من تحت شاربه المهوش: 
هم.. هيه.. فيها لبن؟ أجاب وأمره إلى الله: 
ما فيهاش. 
وراها عجل؟ 
ما وراهاش. 
معشرة ؟ 
طالبة عشر. 
ومرة أخرى قال الرجل، بغيظ مكتوم لا يعرف سببه، وبحزن لا يعرف سببه أيضًا: 
هم.. هيه.. مبروكة عليك. ومشى. 
وعند أول منعطف للطريق الجانبي الماضي إلى الطريق الزراعي العام، رفع فلاح كان يعزق الأرض المجاورة صوته سائلاً 
بتقول بالذمة والأمانة بكام؟ فقال: بسبعة وتمانين جنيه وربع وبريزة للسمسار. 
فعاد الفلاح يصيح مرة أخرى 
بتقول بكام؟ ورفع صوته عاليًا جدًا أعلى بكثير مما يجب، لا ليسمعه الفلاح فقط إنما ليصل إلى كل الرجال القريبين والبعيدين حتى يكفوه مئونة رد آخر: 
- بسبعة.. وتمانين.. جنيه.. وربع.. وبريزة للسمسار… 
وقبل أن يسمح لنفسه أن يسمع الرد أو التعليق كان قد أغلق أذنيه ومشى. 
وحين وصل إلى الطريق الزراعي الموصل إلى بلده كان قد سئل ثلاث مرات، وأجاب ثلاث إجابات، نقض الذمة والأمانة في ثالثتهما حين كسل أن ينص على بريزة السمسار. 
كانت الدنيا لا تزال ضحى، والسوق منتصبة منذ الشروق هذا صحيح، ولكن كان هناك على الطريق قادمون كثيرون، أولئك الذين لا يريدون ضياع اليوم فأنهوا بسرعة أعمالهم ثم اقبلوا مهرولين يلحقون السوق. وعلى أول الطريق الزراعي سأله شيخ معمم بجبة كالحة وقفطان: 
دفعت فيها كام بالذمة والأمانة والديانة إن شاء الله ؟ فقط لو أنهم لا يذممونه ويستحلفونه بالأمانة والدين! 
سبعة وتمانين جنيه وربع وبريزة للسمسار. وبعد خطوة واحدة إذا برجل وكأنه عمدة، يمتطي ركوبة ويستظل بشمسية يزعق بصوت مسلوخ: 
بتقول بكام. 
سبعة وتمانين وربع وبريزة للسمسار. 
غالية شوية إنما تتعوض. وما كاد يخرج عليه الدخان ويبدأ في لف السيجارة حتى حود عليه رجل مسن له لحية اختلط فيها السواد بالبياض: 
سلام عليكم. 
سلام ورحمة الله.. 
دستورك منين؟ 
- من هرية. 
شارى ولا بايع؟ 
مانتاش شايفني راجع، شاري. 
واصل ع الشيخ منصور؟ 
واصل إن شاء الله. 
طب بذمتك وحياة الشيخ منصور على قلبك، بكام؟ 
بسبعة وتمانين جنيه وربع وبريزة للسمسار. 
يا راجل أنا ذممتك وحلفتك بالشيخ منصور؟ 
وحياة الشيخ منصور والذمة والأمانة والديانة، وحياة شيخ العرب السيد بسبعة وتمانين جنيه وربع وبريزة للسمسار. 
يا راجل أنت اشتريت وخلاص، برئ ذمتك وقول الحق. 
وأنا يعني ح اكدب عليك ليه، ما قلت لك الحق. 
بقى بذمتك وديانتك والأمانة عليك وبركة الشيخ منصور وديتها رقبتك بسبعة وتمانين جنيه وربع؟ - وديني وما أعبد وحياة ربنا اللي أكبر من الشيخ منصور ومني ومنك ومن الدنيا كلها بسبعة وتمانين جنيه وربع وبريزة للسمسار. 
طب روح يا شيخ الهي إن كنت كدبت ما توعى تعلقها في المحرات. 
وتركه ومضى. ولو كان قد بقى أمامه لحظة أخرى لما كان قد استطاع كبح جماح الخاطر الذي كان يلح عليه باستمرار.. أن ينتف ذقنه شعرة شعرة. 
وما كاد يمشي أربع أو خمس قصبات حتى- برجاء حار- استوقفه شخص كان منتحيًا جانبًا، يعمل مثل الناس على حافة الخليج الموازي للطريق، وحتى قبل أن ينتهي وهو لا يزال القرفصاء لوى رقبته وسأله: 
بالذمة والأمانة بقد إيه؟ 
بسبعة وتمانين وربع وبريزة. 
إيه اللي سبعة وتمانين وبريزة. هم مش يبقوا سبعة وتمانين وخمسة وتلاتين صاغ؟ 
طب يا سيدي ما تزعلش سبعة وتمانين وخمسة وتلاتين صاغ. 
أمال الأول قلت وبريزة ليه؟ 
عشان هي بسبعة وتمانين وربع وبريزة للسمسار. 
بقة أبقى محلفك بالذمة والأمانة وتكذب. 
أنا كدبت؟ 
مش قلت بريزة للسمسار. هي البريزة تخش في التمن؟ 
ما دام دفعتها تخش. 
لا ما تخشش. 
تخش. 
لا ما تخشش. 
تخش. 
أنت كداب. 
أنت بارد. 
تفوه عليك نفر. 
تفوه عليك وعلي خلفوك. 
وهو لا يزال متشبثًـا باستماتة في حبل البقرة اندفع ناحية الرجل يريد أن يطبق عليه وينتهي منه، وكان الرجل هو الآخر قد أوقف ما كان يقوم به واندفع ناحيته ويده مستميتة هي الأخرى على (دكة) السروال المفكوك. وبيد متشبثة والأخرى طليقة تريد أن تغور في زمارة رقبة الآخر، كادا أن يتماسكا، لولا أن أولاد الحلال وما أكثرهم على الطريق حالوا بينهما في آخر لحظة، وبعد محاولات لصلح فاشل، اندفع كل منهما، الرجل إلى حافة الخليج، وهو ناحية بلده، وبينهما حبل طويل غليظ من الشتائم ظل يمتد ويرق كلما ابتعدا حتى انقطع وسكت مخنوقـًا. ومد يده يبحث عن العلبة ليلف السيجارة غير أنه اكتشف أنه فقدها في الخناقة، وبلغ الغيظ حد أنه لم يحتمل مجرد فكرة العودة للبحث عنها في مكان الخناقة. وهو في قمة غيظة إذا برجل، يرتدي في عز الحر عباءة، مؤدب وقصير، وما كاد يفتح فمه ويقول: بالذمة والأمانة عليك، حتى كان قد رفع يده إلى آخرها دون أن يدري ثم هوى بها على صدغ صاحب العباءة الممددة في أدب ووقار. 
وارتاع الرجل حتى سقطت العباءة من فوق كتفيه، وفكر أن يمسك بخناقه ولكنه في اللحظة التالية كان قد راجع نفسه، وحين تلفت حوله فلم يجد أحدًا من المحتمل أن يكون قد رآه وهو يصفعه عاد للسير وكأن شيئاً لم يحدث وهو يقنع نفسه أن الرجل لا بد مجنون هارب من مستشفى المجاذيب. 
وما كاد هذا يحدث حتى وجد صاحب البقرة نفسه يضحك ضحكًا عاليًا متواصلاً وكأنه قد جن فعلاً، وبلغ به الاستهتار حد أنه حين سمع السؤال يلقى عليه من جانب الطريق، اندفع ناحية السائل ورفع يده يحاول أن يهوي بها على صدغه، ولكنه فوجئ بيد حديدية تقيد يده في مكانها، وبكف كأنها من بلوط تهوي على صدغه هو بأربعة أقلام سخية نظيفة جعلت عينيه تقدحان شررًا، بل أعمته إلى درجة لم ير معها ضاربه، ولا فطن إلى أنه ضرب إلا بعد أن أصبح بينه وبين المعتدى مشوار ومشوار. 
وعند كشك المرور تمامًا سأله تاجر قمح تخين كان يفرش على جانب الطريق يشتري بالأقداح والشروات من الذاهبات إلى السوق: 
إلا قولي يا شيخ العرب، بالذمة والأمانة بكام؟ ولم يكن عربيا أو شيخ عرب، ولكنه بمنتهى التأدب أو بهدوء غريب لا أثر مطلقًا لأية ثورة فيه أجاب: - بسبعة وتمانين وربع وبريزة للسمسار. 
وكأنه لأول مرة يدرك- وبصفاء أيضًا- أنه باع كل شيء ليشتري هذه البقرة بعدما ماتت جاموسته في أول شعبان، بل فطست ولم يلحقها الجزار بالسكين حتى، ولثلاثة أشهر وهو يدبر، وعلى المحصول الذي لا تزال أمامه أربعة أشهر طويلة، ومحفظته إن كانت لم تسرق في الخناقة فليس بها غير جنيه وربع هي آخر ما تبقى معه من نقود الحياة. 
بسبعة وتمانين جنيه وربع وبريزة للسمسار. قالها مرة أخرى، وبصوت مخنوق أعلى حتى حدق فيه التاجر مذهولاً لا يستطيع النطق. وما كاد يلتفت حتى هبط من فوق جسر السكة الحديد رجل كان يحمل عنزة فوق كتفه، وما أن فتح فمه لينطق حتى قال: 
بسبعة وتمانين وربع وبريزة للسمسار. وبعد برهة قابلته امرأة تحمل مقطفًـا ثقيلا وتنوء بحمله، وقبل أن يصلها أو تدرك وجوده رفع صوته وقال: 
بسبعة وتمانين وربع وبريزة للسمسار. وقالت المرأة (يه) ثم حثت الخطو وكأنها تهرب من شبح. وعند التابوت كانت جماعة قادمة من طريق التوت بعضها راكب وبعضها ماش، ورفع صوته إلى أقصى ما يستطيع وقال: 
بالذمة والأمانة بسبعة وتمانين وربع وبريزة للسمسار. وضحكوا، وقال واحد: 
الناس انهبلت. بينما تخلف ولدان راحا يشبعانه تريقه وسخرية. وعلى مدخل البلدة رأى جاموسة ترعى على حافة " القيد" فصرخ فيها: 
بسبعة وتمانين وربع وبريزة للسمسار. واستدارت الجاموسة ناحيته، ورمقته في بلادة وكسل، ثم عادت تعسعس بشفتيها وأسنانها على الحشيش. 
وحين دخل بلده، كان يصيح، سواء سأله أحد أم لم يسأله، قابل شخصا أم لم يقابل، يقولها هكذا للزرع وللحيطان، وللحر أو للسما، وللأوز وللجنيه وربع، وللأربعة أشهر والأربعة أولاد والولية، وللبهيمة التي ماتت، وللبقرة التي يسحبها، وللشيخ منصور، ولنفسه، وللدنيا كلها: بالذمة والأمانة والديانة، وبكل كتاب أنزل، بسبعة وثمانين جنيه وربع وبريزة للسمسار. 

بيت من لحم " من مجموعة بيت من لحم "









الخاتم بجوار المصباح . الصمت يحل فتعمى الاذان . فى الصمت يتسلل الإصبع . يضع الخاتم. فى صمت أيضا يطفأ المصباح . والظلام يعم . 
فى الظلام أيضا تعمى العيون. الأرملة وبناتها الثلاث. والبيت حجرة. والبداية صمت . 
* * * 
الأرملة طويلة بيضاء ممشوقة ، فى الخامسة والثلاثين. بناتها أيضا طويلات فائرات، لا يخلعن الثوب الكاسى الأسود بحداد أو بغير حداد . صغراهن فى السادسة عشرة وكبراهن فى العشرين .. قبيحات ورثن جسد الأب الأسمر الملئ بالكتل غير المتناسقة والفجوات ، وبالكاد أخذن من الأم العود . 
الحجرة ، رغم ضيقها تسعهن فى النهار . رغم فقرها الشديد مرتبة أنيقة ، يشيع فيها جو البيت وتحفل بلمسات الإناث الأربع . فى الليل تتناثر أجسادهن كأكوام من لحم دافئ حى ، بعضها فوق الفراش ، وبعضها حوله ، تتصاعد منها الأنفاس حارة مؤرقة ، أحيانا عميقة الشهيق . 
الصمت خيم مذ مات الرجل ، والرجل مات من عامين بعد مرض طويل . انتهى الحزن وبقيت عادات الحزانى وأبرزها الصمت .. صمت طويل لا يفرغ اذ كان فى الحقيقة صمت انتظار فالبنات كبرن والترقب طال والعرسان لا يجيئون . ومن المجنون الذى يدق باب الفقيرات القبيحات ، وبالذات إذا كن يتامى ؟ . ولكن الأمل بالطبع موجود ، فلكل فولة كيال ولكل بنت عدلها . فإذا كان الفقر هناك فهناك دائما من هو أفقر ، وإذا كان القبح هناك فهناك دائما الأقبح والأمانى تنال .. أحيانا تنال بطول البال . 
* * * 
صمت لم يكن يقطعه إلا صوت التلاوة … يتصاعد فى روتين لا جدة فيه ولا انفعال . والتلاوة لمقرئ ، والمقرئ كفيف ، والقراءة على روح المرحوم وميعادها لا يتغير .. عصر الجمعة يجئ بعصاه ينقر الباب ، ولليد الممدودة يستسلم ، وعلى الحصير يتربع . وحين ينتهى يتحسس الصندل ، ويلقى بتحية لا يحفل أحد بردها ، ويمضى . بالتعود يجئ ..بالتعود يقرأ .. بالعادة يمضى ، حتى لم يعد يشعر به أو ينتبه إليه أحد .. 
دائم هو الصمت ، حتى وتلاوة عصر الجمعة تقطعه أصبحت وكأنها قطع الصمت بصمت . دائم هو كالانتظار ، كالأمل .. أمل قليل ولكنه دائم، فهو أمل فى الأقل . دائما هناك لكل قليل أقل ، وهن لا يتطلعن لأى أكثر .. أبدا لا يتطلعن . 
يدوم الصمت حتى يحدث شئ .. يجئ عصر الجمعة ولا يجئ المقرئ . فلأى اتفاق مهما طال نهاية وقد انتهى الاتفاق . 
وتدرك الأرملة وبناتها الآن فقط كنه ما تقدم ، ليس فقط الصوت الوحيد الذى كان يقطع الصمت ، ولكن أيضا الرجل الوحيد الذى كان ولو فى الأسبوع مرة يدق الباب ، بل أشياء أخرى يدركن .. فقير مثلهن هذا صحيح ، ولكن ملابسه أبدا كانت نظيفة ، وصندله دائما مطلى ، وعمامته ملفوفة بدقة يعجز عنها المبصرون ، وصوته قوى عميق رنان . 
والاقتراح يبدأ : لماذا لا يجدد الاتفاق ومنذ الآن ؟ ولماذا لا يرسل فى طلبه هذه اللحظة ؟ مشغول ، فليكن ! الانتظار ليس بالجديد . وقرب المغرب يأتى ، ويقرأ وكأنه اول مرة يقرأ ، والاقتراح ينشأ .. لماذا لا تتزوج إحداهن رجلا يملأ علينا بصوته الدار ؟ هو أعزب لم يدخل دنيا ، وله شارب أخضر ، ولكنه شاب . وبالكلام يجر الكلام ، ها هو الآخر يبحث عن بنت الحلال . 
البنات يقترحن والأم تنظر فى وجوههن لتحدد من تكون صاحبة النصيب والاقتراح . ولكن الوجوه تزور مقترحة – فقط مقترحة – قائلة بغير الكلام : أنصوم ونفطر على أعمى ؟ هن مازلن يحلمن بالعرسان ، والعرسان عادة مبصرون ، مسكينات لم يعرفن بعد عالم الرجال ، ومحال أن يفهمن أن الرجل ليس بعينيه . 
- تزوجيه انت يا أماه .. تزوجيه 
- انا ؟ يا عيب الشوم ! .. والناس ؟ 
- يقولون ما يقولون .. قولهم أهون من بيت خال من رنين صوت الرجال . 
- أتزوج قبلكن ؟ مستحيل 
- أليس الأفضل أن تتزوجى قبلنا ، ليعرف بيتنا قدم الرجال فنتزوج بعدك ؟ تزوجيه يا اماه 
وتزوجته .. زاد عدد الأنفس واحدة ، وزاد الرزق قليلا ، ونشأت مشكلة أكبر . 
الليلة الأولى انقضت وهما فى فراشهما ، هذا صحيح ولكنهما حتى لم يجسرا على الاقتراب .. ولو صدفة ! .. فالبنات الثلاث نائمات ، ولكن من كل منهن ينصب زوج من الكشافات المصوبة بدقة إلى المسافة الكائنة بينهما .. كشافات عيون ، وكشافات آذان ، وكشافات إحساس . البنات كبيرات ، عارفات ومدركات ، والحجرة كأنما تحولت بوجودهن الصاحى إلى ضوء نهار . ولكن بالنهار لم تعد ثمة حجة ، وواحدة وراء الأخرى تسللن ولم يعدن إلا قرب الغروب ، مترددات خجلات يقدمن رجلا ويؤخرن رجلا ، حتى يزددن قربا وحينذاك يدهشهن .. يربكهن .. يجعلهن يسرعن ضحكات .. قهقهات رجل تتخللها سخسخات امرأة .. أمهن لابد تضحك ، والرجل الذى ما سمعنه الا مؤدبا خاشعا ها هو يضحك ! بالأحضان قابلتهن ولا تزال تضحك ، رأسها عار وشعرها مبلل ممشط ولا تزال تضحك ، وجهها .. ذلك الذى أدركن للتو أنه كان مجرد فانوس مطفأ عشعش فيه العنكبوت والتجعيدات ، فجأة أنار ، ها هو أمامهن كلمبة الكهرباء مضئ . ها هى عيونها تلمع وقد ظهرت وبانت وتلألأت بالدمع الضاحك .. تلك التى كانت مستكنة فى قاع المحجر . 
الصمت تلاشى واختفى تماما ، على العشاء وقبل العشاء وبعد العشاء نكت تترى وأحاديث وغناء ! صوته حلو وهو يغنى ويقلد أم كلثوم وعبد الوهاب ، صوته عال أجش بالسعادة يلعلع . 
خيرا فعلت يا أماه ! وغدا تجذب الضحكات الرجال ، فالرجال طعم الرجال . 
نعم يا بنات ، غدا يجئ الرجال ويهل العرسان . ولكن الحق إن ما أصبح يشغلها ليس الرجال أو العرسان ولكنه ذلك الشاب كفيف فليكن ، فما أكثر ما نعمى عن رؤية الناس لمجرد أنهم عميان . هذا الشاب القوى المتدفق قوة وصحة وحياة ، ذلك الذى عوضها عن سنين المرض والعجز والكبر بغير أوان . 
الصمت تلاشى وكأن الى غير رجعة ، ضجيج الحياة دب . الزوج زوجها وحلالها وعلى سنة الله ورسوله ، فماذا يعيب ؟ وكل ما تفعله جائز ، حتى وهى لم تعد تحفل بالمواربة أو بكتمان الأسرار . حتى والليل يجئ وهم جميعا معا ، فيطلق العقال للأرواح والأجساد، حتى والبنات مبعثرات متباعدات يفهمن ويدركن وتتهدج منهن الأنفاس والأصوات ، مسمرات فى مراقدهن يحبسن الحركة والسعال .. تظهر الآهات فجأة فتكتمها الآهات . 
كان نهارها "غسيل " فى بيوت الأغنياء ، ونهاره قراءة فى بيوت الفقراء ، ولم يكن من عادته أول الأمر أن يؤوب إلى الحجرة ظهرا ، ولكن لما الليل عليه طال والسهر أصبح يمتد ، بدأ يؤوب ساعة الظهر يريح جسده ساعة من عناء ليل ولى واستعدادا لليل قادم . وذات مرة بعدما شبعا من الليل وشبع الليل منهما ، سألها فجأة عما كان بها ساعة الظهر، ولماذا هى منطلقة تتكلم الآن ومعتصمة بالصمت التام ساعتها ؟ ولماذا تضع الخاتم العزيز عليه الآن – إذ هو كل ما كلفه الزواج من دبلة ومهر وشبكة وهدايا – ولماذا لم تكن تضعه ساعتها؟ 
كان ممكنا أن تنتفض هالعة واقفة صارخة . كان ممكنا أن تجن . كان ممكنا أن يقتله أحد . فليس لما يقوله إلا معنى واحد ، ما أغربه وأبشعه من معنى ! 
ولكن غصة خانقة حبست كل هذا وحبست معه أنفاسها .. سكتت . بآذانها التى حولتها إلى أنوف وحواس وعيون راحت تتسمع وهمها الأول أن تعرف الفاعلة . إنها متأكدة لأمر ما إنها الوسطى . إن فى عينيها جرأة لا يقتلها الرصاص إذا أطلق .. ولكنها تتسمع الأنفاس الثلاثة تتعالى عميقة حارة كأنها محمومة .. ساخنة بالصبا تجأر ، تتردد ، تنقطع ، أحلام حرام تقطعها .. أنفاس باضطرابها تتحول إلى فحيح .. فحيح كالصهد الذى تنفثه أراض عطشى ، والغصة تزداد عمقا واحتباسا . إنها أنفاس جائعات ما تسمع، بكل شحذها لحواسها لا تستطيع أن تفرق بين كومة لحم حى ساخنة مكتومة وكومة أخرى . كلها جائعة ! كلها تصرخ وتئن ، وأنينها يتنفس ليس أنفاسا ، ربما استغاثات . ربما رجوات .. ربما ما هو أكثر . 
غرقت فى حلالها الثانى ونسيت حلالها الأول .. بناتها ! والصبر أصبح علقما ، وحتى سراب العرسان لم يعد يظهر . فجأة ملسوعة ها هى كمن استيقظ مرعوبا على نداء خفى .. البنات جائعات ! الطعام حرام صحيح ولكن الجوع أحرم .. أبدا ليس مثل الجوع حرام ! إنها تعرفه .. عرفها ويبس روحها ومص عظامها ، وتعرفه – وشبعت ما شبعت – مستحيل أن تنسى مذاقه . 
جائعات وهى التى كانت تخرج اللقمة من فمها لتطعمهن … هى التى كان همها حتى لو جاعت أن تطعمهن ، هى الأم ، أنسيت ؟ 
وألح مهما ألح تحولت الغصة إلى صمت. الأم صمتت ومن لحظتها لم يغادرها الصمت . 
وعلى الإفطار كانت – كما قدرت تماما- الوسطى صامتة 
وعلى الدوام ظلت صامتة 
والعشاء يجئ والشاب – سعيدا وكفيفا ومستمتعا – ينكت لا يزال و يغنى ويضحك ولا يشاركه الضحك إلا الصغرى والكبرى فقط . 
ويطول الصبر ويتحول علقمه إلى مرض ولا أحد يطل . 
وتتأمل الكبرى ذات يوم خاتم أمها فى إصبعها وتبدى الإعجاب به ، ويدق قلب الأم وتزداد دقاته وهى تطلب منها أن تضعه ليوم ، لمجرد يوم واحد لا غير . وفى صمت تسحبه من إصبعها . وفى صمت تضعه الكبرى فى إصبعها المقابل . 
وعلى العشاء التالى تصمت الكبرى وتأبى النطق 
والكفيف الشاب يصخب ويغنى ويضحك، والصغرى تشاركه 
ولكن الصغرى تصبح – بالصبر والهم وقلة البخت – أكبر ، وتبدأ تسأل عن دورها فى لعبة الخاتم ، وفى صمت تنال الدور . 
والخاتم بجوار المصباح … الصمت يحل فتعمى الآذان . وفى الصمت يتسلل الإصبع صاحب الدور ويضع الخاتم فى صمت أيضا ويطفئ المصباح والظلام يعم ، وفى الظلام تعمى العيون . ولا يبقى صاخبا منكتا مغنيا ، إلا الكفيف الشاب .فوراء صخبه وضجته تكمن رغبة تكاد تجعله يثور على الصمت وينهال عليه تكسيرا . إنه هو الآخريريد أن يعرف .. عن يقين يعرف . كان أول الأمر يقول لنفسه إنها طبيعة المرأة التى تأبى البقاء على حال واحد ، فهى طازجة صابحة كقطر الندى مرة ، ومنهكة مستهلكة كماء البرك مرة أخرى . ناعمة كملمس ورق الورد مرة . خشنة كنبات الصبار مرة أخرى . الخاتم دائم وموجود صحيح ، ولكن وكأنما الإصبع الذى يطبق عليه كل مرة إصبع إنه يكاد يعرف، وهن بالتأكيد كلهن يعرفن، فلماذا لا يتكلم الصمت ؟ لماذا لا ينطق ؟ 
ولكن السؤال يباغته ذات عشاء، ماذا لو نطق الصمت ؟ ماذا لو تكلم ؟ 
مجرد التساؤل أوقف اللقمة فى حلقه 
ومن لحظتها لاذ بالصمت تماما وأبى أن يغادره 
بل هو الذى أصبح خائفا أن يحدث المكروه مرة ويخدش الصمت . ربما كلمة واحدة تفلت فينهار لها بناء الصمت كله ، والويل له لو انهار بناء الصمت 
الصمت المختلف الغريب الذى أصبح يلوذ به الكل 
الصمت الإرادى هذه المرة ، لا الفقر ، لا القبح ، لا الصبر ولا اليأس سببه . 
إنما هو أعمق أنواع الصمت ، فهو الصمت المتفق عليه أقوى أنواع الاتفاق ، ذلك الذى يتم بلا أى اتفاق 
* * * 
الأرملة وبناتها الثلاث 
والبيت حجرة 
والصمت الجديد 
والمقرئ الكفيف الذى جاء معه بذلك الصمت، وبالصمت راح يؤكد لنفسه إن شريكته فى الفراش على الدوام هى زوجه وحلاله وزلاله وحاملة خاتمه ، تتصابى مرة أو تشيخ ، تنعم أو تخشن ، ترفع أو تسمن ، هذا شأنها وحدها ، بل هذا شأن المبصرين ومسئوليتهم وحدهم ! هم الذين يملكون نعمة اليقين ، إذا هم القادرون على التمييز . وأقصى ما يستطيعه هو أن يشك ، شك لا يمكن أن يصبح يقينا إلا بنعمة البصر ، ومادام محروما منه فسيظل محروما من اليقين ، إذ هو الأعمى ، وليس على الأعمى حرج 
أم على الأعمى حرج ؟ 

أرخص ليالى " "من مجموعة أرخص ليالي 1954"







بعد صلاة العشاء كانت خراطيم من الشتائم تتدفق بغزارة من فم عبدالكريم فتصيب آباء القرية وأمهاتها، 
وتأخذ في طريقها الطنطاوي وأجداده. 
والحكاية أن عبد الكريم ما كاد يخطف الأربع ركعات حتي تسلل من الجامع ومضي في الزقاق الضيق وقد لف 
يده وراء ظهره وجعلها تطبق علي شقيقتها في ضيق وتبرم، وأحني صدره في تزمت شديد وكأن أكتافه 
تنوء بحمل (البشت) الثقيل الذي غزله بيده من صوف النعجة. 
ولم يكتف بهذا بل طوي رقبته في عناد وراح يشمشم بأنفه المقوس الطويل الذي كله حفر سوداء صغيرة، 
ويزوم، وقد أطبق فمه فانكمش جلد وجهه النحاسي الأصفر، ووازت أطراف شاربه قمم حواجبه التي كانت 
ما تزال مبللة بماء الوضوء. 
والذي بلبل كيانه، أنه ما أن دخل إلى الزقاق حتي ضاعت منه ساقاه الغليظتان المنفوختان، ولم يعد يعرف 
موضع قدميه الكبيرتين المفلطحتين اللتين تشقق أسفلهما حتي يكاد الشق يبلع المسمار فلا يبين له رأس. 
ارتبك الرجل رغم القسوة التي ضم بها نفسه لأن الزقاق كان يمتلئ بصغار كالفتافيت يلعبون ويصرخون، 
ويتسربون بين رجليه، ويسرح واحد من بعيد وينطحه، ويشد آخر (البشت) من ورائه، ويصيبه شقي 
بصفيحة في إصبع قدمه الكبيرة النافرة عن بقية أصابعه. 
ولم يستطع إزاء هذا كله إلا أن يسلط عليهم لسانه، فيخرب البيوت فوق رءوس آبائهم وأجدادهم، ويلعن 
الداية التي شدت رجل الواحد منهم، والبذرة الحرام التي أنبتته. 
ويرتعش عبد الكريم بالحنق وهو يسب ويمخض ويبصق علي البلد الخائب الذي أصبح كله صغار في صغار. 
ويتساءل، و(بشته) يهتز، عن معمل التفريخ الذي يأتي منه من هم أكثر من شعر رأسه. ويزدرد غيظه وهو 
يطمئن نفسه أن الغد كفيل بهم،وأن الجوع لامحالة قاتلهم، و(الكوريره) سرعان ما تجيء فتطيح بنصفهم. 
وتشهد عبد الكريم وهو يشعر براحة حقيقية حين خلف النحل وراءه في الزقاق وأصبح يشرف علي الواسعة
التي تحيط بالبركة في وسط البلد. 
وانبسط الظلام الكثير امامه حيث تعشش البيوت المنخفضة الداكنة، وترقد أمامها أكوام السباخ التي طال 
عليها الإهمال،ولاشيء بقي يدل علي الأحياء المكدسين تحت السقوف إلا مصابيح متناثرة في 
الدائرةالمظلمة الواسعة وكأنها عيون جنيات رابضات يقدح منها الشرر!، ويأتي نورها الأحمرالداكن 
متبخترا من بعيد ليغرق في سواد البركة. 
وتشتت بصر عبدالكريم في الظلام الفاضي، ودار برأسه هنا وهناك، ورائحة الماء الصديء في المستنقع 
تتلوي مع تقوس خياشيمه. وفي الحال شعر بالضيق يكتم فتات أنفه، فشدد من قبضة يده، وزاد انحناءه،وكاد 
يرمي (بالبشت) علي حافة البركة. 
وكان ما ضايقه وكتم أنفاسه شخير الأرانب أهل بلده، وهو يمتد مع انتشار الظلام، ولحظتها كان ما يلهلب 
سخطه أكثر هو طنطاوي الخفير، وكوب الشاي (الزردة) التي عزم عليه بها في حبكة المغرب، والتي لولا 
دناوته، وجريان ريقه عليها، ما ذاقها. 
وتمشي عبدالكريم في الواسعة وأذنه لاتسمع حسا ولاحركة، ولا حتي صيحة فرخة، وكأنه وسط جبانة 
وليس في رحاب بلدة فيها ما فيها من خلق الله. 
وحين بلغ منتصف الواسعة توقف. وكانت لوقفته حكمة، فهو إذا أطاع ساقيه ومشي، أصبح بعد خطوات 
قليلة في قلب بيته. وإذا أغلق دونه باب الدار، كان عليه أن يخمد أنفاسه وينام. وهذه اللحظة لم تكن في 
عينيه قمحة واحدة من النوم، بل كان مخه أروق من ماء) الطرمبة)، وأصفي من العسل الأبيض، ولا يهمه 
السهر ولو لهلال رمضان. 
وكل هذا بسبب دناوته، وسواد الشاي في الكوب، وأفعوانية طنطاوي وبسمته الزرقاء، ودعوته التي لم يفكر 
في رفضها.. 
ليس هناك نوم؟.. طيب. 
ورجال البلدة الخناشير قد انكفأوا يغطون من زمان، وتركوا الليل لصغارهم الملاعين! فماذا يفعل عبدالكريم؟ 
يسهر؟ وأين يسهر؟.. 
صحيح؟!.. أين يسهر؟.. 
هل يلعب (الاستغماية (مع الأولاد؟.. 
أو تزفه البنات وهن يقلن: يابوالريش.. إنشا الله تعيش؟ 
صحيح ..أين يسهر وهو أنظف من الصيني بعد غسيله، وليس معه قرش صاغ واحد حتي يذهب إلي 
(غرزة (أبوالإسعاد ويطلب القهوة علي البيشة، ويتبعها بكرسي الدخان، ويجلس ما شاء بعد ذلك علي ريحة 
القهوة والكرسي، يراقب حريفة (الكوتشينة) من صبيان المحامين، ويستمع إلي ما لايفهمه في الراديو، 
ويضحك ملء قلبه مع السباعي، ويلكز أبوخليل وهو يقهقه، ثم ينتقل إلي مجلس المعلم عمارة مع تجار 
البهائم، وقد يشارك في الحديث عن سوقها التي ركدت ونامت.. 
ليس معه قرش!.. جازاك الله ياطنطاوي..! 
وهو لا يستطيع أن يخطف رجله إلي الشيخ عبدالمجيد، حيث يجده متربعا والمدفأة أمامه، والكنكة النحاسية 
تغلي وتوشوش علي مهل، والشيحي جالس بجواره، يقص بكل ما في صوته من رنين، ما حدث فيا لليالي 
التي شاب لها شعره، والأيام التي انقضت وأخذت معها بصاغته من عقول الناس القدامي الفارغة الطيبة، 
وجعلته يتوب عن النصب والسرقة وقلع الزرع علي أيدي النماردة من سكان هذا الجيل. 
لايستطيع أن يتنحنح ويطرق باب الشيخ عبدالمجيد لأنه، أول الأمس فقط، دفع الرجل من فوق مدار الساقية 
فأوقعه في الحوض، وأضحك عليه الشارد والوارد، لما دب الخلاف بينهما علي مصاريف إصلاح الساقية. 
ومن ساعتها ولسان الشيخ لا يلافظ لسانه. 
كان الشيطان ساعتها شاطرا.. ولكن طنطاوي بدعوته أشطر ..الله يخرب بيتك ياطنطاوي.. 
وماذا عليه لو سحب عصاته (المشمش) ذات الكعب الحديد ومر علي سمعان، وانطلقا إلي عزبة البلابسة، 
فهناك سامر، وليلة حنة، وغوازي، وشخلعة،وعود، وهات إيدك.. 
وإنما.. من أين يا عبد الكرم (النقطة)؟ ثم.. المساء قد دخل ويجوز أن سمعان ذهب يصالح امرأته من خالها 
والطريق خائنة، والدنيا كحل.. 
ياناس!.. لماذا هو الخائب الساهر وحده؟ وطنطاوي لا شك قد استنظف مصطبة رقد عليها في (دركه)، وراح
في النوم.. نامت عليه البعيد أثقل حائط. 
وماذا يحدث لوعاد إلي بيته هكذا كالناس الطيبين، ولكز امرأته فأيقظها، وجعلها تنير المصباح،وتمسح 
زجاجته، وتشعل الموقد، وتسخن له رغيفا وتحضر الفلفل الباقي من الغداء، وحبذا لو كان قد بقي شيء من
الفطيرة التي غمزتها بها أمها في الصباح، وآه لوصنعت له بعده اكوزا من الحلبة، وجلس كسلطان زمانه 
يرقع الثلاثة مقاطف التي بليت مقاعدها ويصنع لهاآذانا وقد تملصت آذانها؟.. 
ماذا يحدث بالله إذا كان هذا؟.. 
هل تنتقل المحطة من مكانها؟..! 
هل يعمل العمدة ليلة لوجه الله؟.. 
وهل تنطبق السماء علي جرن القمح؟.. 
أبدا.. لن يحدث شيء من هذا.. 
ولكنه أعرف الناس بامرأته، وأعرف من شمه ورش برقدتها كزكيبة الذرة المفروطة وقد تبعثر حولها الصغار 
الستة كالكلاب الهافتة، ولن تصحو حتي لو نفخ إسرافيل في نفيره، وإذا تفتحت ليلة القدر وقامت 
فماذا تفعل؟.. 
أهو يحاول الضحك علي نفسه؟.. 
وهل الذي يزمر يغطي ذقنه؟.. 
المصباح بالعربي ليس فيه (جاز) إلا ما يملأ نصفه، والمرأة في حاجة إليه كله لتعجن وتخبز طول الليلة الآتية
إذا عاش أحد. ثم الأولاد لاريب قد جاعوا ساعة المغرب، وأكلوا الفلفل وبآخر رغيف في (المشنة.( 
وهل تبقي فطيرة الصبح لتنتظر سهرته؟.. وعليه أن يطمئن نفسه، فلك الحمد، ليس في داره حلبة ولاسكر،
ولايحزنون.. 
ولن يستطيع طول عمره أن يحظي بكوب مثل التي لحسها لحسا عند طنطاوي.. 
الله يجحم روحك ياطنطاوي يابنزبيدة..! 
*** 
ولو أن أحدا عن له أن يقضي حاجته في الواسعة، رأي عبد الكريم في وقفته، مزروعا كزوال المقاتة أمام وجه 
البركة الداكن، لظن في التو، أن الرجل مسه شيطان أو لبسته شيخة! 
وعبد الكريم معذور، فالحيرة التي كان فيها أوسع منه، والمسألة أنه رجل علي نياته، لا يقرأ الليل ولا يكتبه، 
والجيب خال، والليلة شتاء، والشاي يكوي رأسه، وجهلة السهر من أمثاله قد غيبهم النوم من سنة مضت 
في سابع أرض. 
طالت من أجل ذلك حيرة الرجل، وطال وقوفه، وأخيرا فعلها وقر قراره. 
وقطع الباقي من الواسعة في استسلام وقد رأي أن يقضي ليلته كما اعتاد قضاء البارد من لياليه.. 
وأخيرا استقر في وسط داره، وقد أغلق الباب بالضبة وراءه .وتخطي أولاده وهو يزحف في الظلام علي 
قبوة الفرن حيث يتناثرون. ومصمص بشفتيه وهو يئن منهم ومن الظلام، ويعتب بينه وبين نفسه علي الذي 
رزقه بستة بطون تأكل الطوب. 
وكان يعرف طريقه، فطالما علمته ليالي البرد الطريق. وعثر آخر الأمر علي امرأته. ولم يزغدها،وإنما أخذ 
يطقطق لها أصابع يديها، ويدعك قدميها اللتين عليهما التراب بالقنطار ويزغزغها في خشونة بعثت اليقظة 
المقشعرة في جسدها. 
وصحت المرأة علي آخر لعنةأصابت طنطاوي في ليلته. 
وسألته في غير لهفة وفمها يملؤه التثاؤب عما جناه الرجل حتي يسبه في عز الليل. 
فقال وهو ينض و ثيابه، ويستعد لما سيكون: 
هه.. الله يخرب بيت اللي كان السبب.. 
*** 
بعد شهور كانت النساء كالعادة يبشرنه بولد جديد، وكان هو يعزي نفسه علي السابع الذي جاء في آخر 
الزمان، والذي لن يملأ طوب الأرض بطنه هوالآخر.. 
وبعد شهور وسنوات كان عبدالكريم لايزال يتعثر في جيش النمل من الصغارالذين يزحمون طريقه في ذهابه 
وأوبته وكان لايزال يتساءل كل ليلة أيضا، ويداه خلف ظهره، وأنفه يشمشم حوله، عن الفتحة التي في الأرض أو السماء، والتي منها يجيئون . 

" نظرة" من مجموعة أرخص ليالى





كان غريبًا أن تسأل طفلة صغيرة مثلها إنسانًا كبيرًا مثلي لا تعرفه في بساطة وبراءة أن يعدل من وضع ما تحمله وكان ما تحمله معقدًا حقًا، ففوق رأسها تستقر صينية بطاطس بالفرن وفوق هذه الصينية الصغيرة يستوي حوض واسع من الصاج مفروش بالفطائر المخبوزة وكان الحوض قد انزلق برغم قبضتها الدقيقة التي استماتت عليه، حتى أصبح ما تحمله مهددًا بالسقوط. ولم تطل دهشتي وأنا أحدق في الطفلة الصغيرة الحيرى، وأسرعت لإنقاذ الحمل وتلمست سبلاً كثيرة، وأنا أسوي الصينية فيميل الحوض، وأعدل من الصاج وتعود فتميل الصينية، ثم اضبطهما معًا فيميل رأسها هي، ولكنني نجحت أخيرًا في وضع تثبيت الحمل، وزيادة في الاطمئنان نصحتها أن تعود إلى الفرن، وكان قريبًا حيث تترك الصاج وتعود فتأخذه.ولست أدري ما دار في رأسها، فما كنت أرى لها رأسًا وقد حجبه الحمل، كل ما حدث أنها انتظرت قليلاً لتتأكد من قبضتها، ثم مضت وهي تغمغم بكلام كثير، لم تلتقط أذني منه إلا كلمة ستي.ولم أحول عيني عنها وهي تخترق الشارع العريض المزدحم بالسيارات ولا عن ثوبها القديم الواسع المهلهل الذي يشبه قطعة القماش التي يـُنظف بها الفرن أو حتى من رجليها اللتين كانتا تطلان من ذيله الممزق كمسمارين رفيعين.وراقبتها في عجب وهي تنشب قدميها العاريتين كمخالب الكتكوت في الأرض وتهتز وهي تتحرك ثم تنظر هنا وهناك بالفتحات الصغيرة الداكنة السوداء في وجهها وهي تخطو خطوات ثابتة قليلة، وقد تتمايل بعض الشيء ولكنها سرعان ما تستأنف المضي. راقبتها طويلاً حتى امتصتنني كل دقيقة من حركاتها، فقد كنت أتوقع في كل ثانية أن تحدث الكارثة، وأخيرًا استطاعت الخادمة الطفلة أن تخترق الشارع المزدحم في بطء كحكمة الكبار.استأنفت سيرها على الجانب الآخر، وقبل أن تختفي، شاهدتها تتوقف ولا تتحرك، وكادت عربة تدهمني وأنا أسرع لإنقاذها، وحين وصلت كان كل شيء على ما يرام، والحوض والصينية في أتم اعتدال. أما هي فكانت واقفة على ثبات تتفرج، ووجهها المنكمش الأسمر يتابع كرة من المطاط يتقاذفها أطفال في مثل حجمها وأكبر منها، وهم يهللون ويصرخون ويضحكون ولم تلحظني ولم تتوقف كثيرًا، فمن جديد راحت مخالبها الدقيقة تمضي بها، وقبل أن تنحرف ، استدارت على مهل، واستدار الحمل معها وألقت على الكرة والأطفال نظرة طويلة، ثم ابتلعتها الحارة 

يوسف إدريس نحو مسرح مصرى




نحو مسرح مصرى، واحد من ثلاث مقالات كتبها يوسف إدريس، فى محاولة منه للتأصيل لهوية مسرحية مصرية، أو كما كتب هو فى مقدمة كتابه الذى يحمل العنوان ذاته "استنبات المسرح المصرى أو العربى اعتمادا على أشكالنا وتراثاتنا المسرحية" وهو الاتجاه الذى حاوله مع إدريس أيضا عدد آخر من المسرحيين العرب، وقد رأوا أن فى تراثنا من أشكال الفرجة والمسرحة كالأراجوز والحكواتى والمحبظين والسامر الشعبى وغيرها من أشكال، ما يمكن أن نستعيض به عن المسرح الغربى المستورد والعلبة الإيطالية، وما يؤكد هويتنا المصرية والعربية وما يناسب ذائقتنا، لأنه منا. أما المقالين الآخرين فهما: ردا على المستوردين وبداية التعرف على ملامحنا. 


نحو مسرح مصري 
يوسف إدريس 


نقرأ دائما في الصحف وفي الكتب ونسمع في الندوات السؤال: هل هناك مسرح مصري حقيقة؟ هل وجد أصلا ؟! وأين اختفى إذا كان قد وجد؟ ولماذا اختفى؟ 
أسئلة غريبة لأنها لو ترجمت لمعناها الحقيقي لكانت مثل أن نسأل: هل هناك شعب مصري حقيقة؟ هل وجد أصلا؟ وأين اختفى إذا كان قد وجد ولماذا؟ 
والتشبيه فيه مبالغة ولكنه ادق فما دام هناك شعب فمن خصائص الحيوية ولزوميات وجوده أن يأكل وأن يشرب وأن رقص ويضحك وأيضا أن يتمسرح إذا صحت الكلمة تحت أي ظرف وفي كل وقت وما دامت هناك حياة. 
كل ما في الأمر أن التساؤل سببه أننا نقصد، حين نتكلم عن المسرح، ذلك المكان العالي ذا القبوة والخشبة والممثلين والروايات، وهذا مسرح صحيح ولكنه ليس كل المسرح، فللمسرح أشكال كثيرة متعددة ليس هذا النوع سوى أحدها فقط، مجرد شكل واحد تطور على يد الإغريق ثم جاء الدين المسيحي في أوروبا فقضى عليه وكبته باعتباره أحد الأشكال الوثنية للعبادة لكن قبضة الدين حين خفت عاد المسرح الإغريقي مرة أخرى فيما بعد العصور الوسطى وأصبح له شكسبيره ومولييره .. إلى آخر القصة. 
أما بقية الأشكال المسرحية فهي موجودة في حياة كل شعب، ولابد أن تكون موجودة وحية سرت ولا تزال سارية وستبقى سارية إلى الأبد، هذه الأشكال ممكن جمعها تحت ظاهرة واحدة، ظاهرة بيولوجية حيوية تدفع الناس بعد انتهاء العمل واكتفاء غريزتي الوجود وحفظ النوع أو حتى من أجل اكتفائهما إلى غريزة التجمع بلا سبب فردي أو ذاتي وإنما بتأثير الغريزة الجماعية في كل إنسان وتلبية لها، هذا التجمع يأخذ أشكالا كثيرة ولكن يحدث فيه دائما وأبدا نفس الشئ، ذلك الشعور بالأمن الجماعي الذي يدفع كل فرد إلى نسيان خوفه الفردي ومنغصاته الذاتية وقلقه على وجوده الخاص .. شعور يشبه كثيرا أسطورة البجع المسحور الذي كان يتجمع وعند البحيرة تخلع كل بجعة غطاءها الخارجي كبجعة ويلتئم شمل الحوريات الخارجة ليرقصن ويمرحن ويستحممن معا، في التجمعات الإنسانية التي تحدث بلا سبب معيشي أو جنسي يحدث نفس الشئ ويخرج كل فرد في الجماعة من ذاته الخاصة وتلتقي الحوريات مكونة الذات الكبرى للجماعة لكي تمرح وترقص وتنعم بكل ما يولده شعور الأمن الجماعي من نزوات. 
هنا في اللقاء باستطاعة كل فرد أن ينظر في ذاته دون خوف وأن يسخر منها وأن يتحرر من قبضة خوفه الدائب عليها ويصبح أكثر حرية وتبدو له خصال أخرى فيزداد كرمه ورغبته في السخاء على إخوته الآخرين ويصبح أكثر استعدادا للتضحية وبذل النفس إلى آخره. 
هذا التجمع، وتلك الأشكال المسرحية كثيرة الحدوث في حياتنا اليومية في الأفراح والمآتم والمناسبات، في الاحتفالات الكثيرة التي ابتكرها الجنس البشري كحجة ( أحيانا مضحكة) للتجمع مثل التجمع للاحتفال بظهور أحد الأولاد، أو الاحتفال بنزول النقطة أو أعياد الحصاد والمناسبات الدينية، أكثر من هذا السهرات اليومية في البيوت بعد انتهاء اليوم والعمل، التجمعات التلقائية في الأسواق وبعد انتهاء البيع والشراء، بل إن الشعوب ابتكرت أماكن ثابتة لتجمعات مستمرة يذهب إليها الفرد استجابة لغريزته الجماعية مثل القهاوي والحانات والنوادي.. 
هذه كلها لحظات مسرحية، وأشكال مسرحية كان لابد بمرور الأزمان أن تتطور ويصبح لكل شكل منها تقاليد وتراث، وقد حدث أن أحدها وهو الصلاة لآلهة الإغريق ظلت تتطور إلى أن أصبحت اليوم ما نسميه بالمسرح، الذي كان إغريقيا ثم أصبح أوروبيا ومن ثم انتشر إلى العالم أجمع، ولكن ليس معنى هذا وليس معنى انتشاره والاعتراف به عالميا أن كل شعب من الشعوب لم يتطور لديه شكل يؤدي نفس الوظيفة الاجتماعية التي خلقت المسرح الإغريقي. 
ولست مؤرخا ولا فيلولوجيا ولا عالم تراث أو فولكلور، لأعرف على وجه الدقة أن كل المصريون القدماء قد عرفوا المسرح الديني بمعناه الإغريقي فما أعرفه أن التمثيل في هذا المسرح كان يقوم به الكهنة في حجرات مغلقة وهو شكل احتفالات عامة لا سرية فيها ولا غموض، كل ما يمكن الجزم به أن المسرح المصري الديني القديم كان لابد مختلفا تماما عن المسرح الإغريقي اختلاف الديانة الإغريقية عن الديانة المصرية وزيوس الأسطوري عن فرعون الإله الحي المعبود.. 
الحياة المصرية القديمة كان طابعها التجمع على النطاق الشعبي الواسع والاحتفالات الضخمة التي يشهدها الشعب كله، بعكس الحال في اليونان حيث لم تكن هناك دولة كبرى بل تقريبا كل مدينة كانت دولة وفي المدينة الواحدة كان طابع الحياة هو الاجتماعات المحدودة بل تقريبا كل مدينة كانت دولة وفي المدينة الواحدة كان طابع الحياة هو الاجتماعات المحدودة الكثيرة التي هي أصلح مادة مادة خام لنشأة المسرح لأن المسرح لابد أن يكون حضوره محدودي العدد. 
في مصر على ما أعتقد كان الأمر مختلفا، والشعب كان دائما موحدا واجتماعاته تشهدها الساحات الكبرى التي يحضرها مئات الآلاف، لهذا فلابد أنها كانت اجتماعات شبه رسمية إلى حد بعيد الجمهور فيها لا يقوم إلا بدور المتفرج على احتفال أعد قبلا، وأمثال هذه الاجتماعات لا تدخل تحت بند المسرح لا بمعناه الحديث ولا بمعناه العام، لأن دور الجماعة البشرية فيها سلبي تماما. 
الفرق بين الفرجة والتمسرح 
التجمعات البشرية المسرحية كانت تحدث بعيدا عن هذا الشكل الرسمي بنفس تلقائية حددتها في أي زمان ومكان تلقائية سرعان ما ابتكر لها الشعب مناسبات شعبية محضة لا تمت إلى الدين أو الحاكم أو أكل العيش بصلة ولهذا ظلت سارية مهما تغير شكل الحضارة في مصر أو نوع الحكم أو تغيرت الديانات، بل حتى رغم مقاومة الدين فالخروج إلى المقابر كثيرا ما قاومه الإسلام وندد به خطباء المساجد ولكن أحدا لم يستطع منع النساء وقد فرض عليهن الحجاب إلى الخروج إلى المقابر لمزاولة غريزة التجمع، وحفلات الذكر ليست سوى تجمعات الرقص الديني الفرعوني وقد أخذت ثوب الإسلام. 
ولكننا لا نزال لم نصل بعد إلى التمسرح أو التجمع الناطق المنقسم إلى ممثلين وجمهور، وأنا لا أستعمل كل هذه الصفات من باب التفاصح لأني حقيقة أريد أن أصف بها المسرح كما نعرفه وكما لا يزال بعضنا يخطئ في فهمه، فالمسرح ليس هو المكان أو الاجتماع الذي (تتفرج) فيه على كل شئ، إن هذا ابتكر له شعبنا كلمة "فرجة" أو رؤية ومشاهدة، أما المسرح فهو اجتماع لابد أن يشترك فيه كل فرد من أفراد الحاضرين، مثله مثل الرقص من بدائيته إلى احتفالات قصر الملكة فيكتوريا، لا يسمى رقصا إلا إذا اشترك في الرقص كل الحاضرين، أو الأغنية الجماعية لا تعد جماعية إلا إذا غناها كل الناس معا لأنه في كل تلك الأشكال المسرحية لابد من توفر عنصرين .. أولا الجماعة والحضور الجماعي وثانيا قيام الجماعة كلها بعمل ما، وقد نسأل: وماذا إذن عن الأشكال التي نذهب لنتفرج فيها على راقص أو نسمع مغنية تغني أو نشهد فيها فيلما؟ أليست أشكالا مسرحية، والجواب لا، ليست أشكالا مسرحية وليست إلا إشباعا فرديا لا يمكن أن يغني أو يحل محل الإشباع الجماعي، هذه الأشكال ازدهرت فقط في بلادنا بالذات لأسباب لا علاقة لها بالمسرح، ازدهرت لأن الأديان السماوية اعتبرت كافة الاحتفالات الجماعية أشكالا وثنية متخلفة حرمت القيام بها، وهكذا نشأ "تابو" جماعي ضدها واصبحت مزاولتها مقصورة على الأفراد الساقطين في نظر المجتمع الذين طردهم المجتمع فسقطت عنهم كل تابوهاته ومحرماته بل أصبحوا هم أنفسهم تابوها مجرما على المجتمع وبحيث أصبح كل ما يزاولونه لا خطر البتة من تقليده أو تسرب عدواه إلى الأجيال الناشئة، ومعظم هؤلاء الساقطين كانوا لسوء الحظ فنانين وكانوا يكونون مجتمعا منبوذا كمجتمع الغوازي في سنباط أو العوالم في شارع محمد علي أو مجتمع الجيشا في اليابان. 
هؤلاء الأفراد كان يستعملهم المجتمع ليتفرج عليهم وهم يزاولون الأشياء المحرمة ويحصل بهذه الطريقة المعذبة على إشباع لغريزته المسرحية، تماما مثلما ينشأ دين يحرم التدخين ويشبه واحد من أفراده ولكنه في نفس الوقت وليشبع رغبته في التدخين تلتقي جماعاته "تتفرج" على هذا الساقط وهو يدخن لكي تحصل بمجرد الفرجة على ما تحن إليه حنينا شديدا وهو محرم عليها تحريما أشد. 
وإلى عهد غير بعيد كانت الممثلات يعتبرن في نظر المجتمع ساقطات لأن الفنانة منهن كانت لا تجرؤ على الوقوف على خشبة المسرح إلا بعد أن تتخلص من تابوه التحريم بالسقوط وبالتحول إلى كائن محرم لكي يسمح لها المجتمع والدين والتقاليد أن تمثل ما تشاء. 
الفنون أصلها جماعية 
وهكذا نرى كيف أن الاجتماعات الكبرى للمصريين كانت تسودها الرسميات ولا يشترك فيها الحضور، والاجتماعات الصغرى في المناسبات جاءت الأديان السماوية وحرمت المساهمة الجماعية فيها وأصبح حق مزاولة الرقص أو التمثيل أو الغناء مقصورا على الساقطين والساقطات ولكن لحظات الالتقاء الجماعي لا يمكن، كما قلنا، أن تنعدم مطلقا، إنها فقط تتراجع وتختفي عن أنظار الأوصياء على التابوهات والتقاليد وحراسها، بل يمكن أن تلجأ إلى السرية التامة ولكنها أبدا لا تنقطع. 
وتراجعت اللقاءات إلى مستوى لقاء الشلة أو الصحاب وإلى دواوير زمان وصلا ملكات البيوت والجلسات الخاصة، أي التي يحل للفرد فيها أن يقوم بالمساهمة في احتفال جماعي صغير بعيدا عن نظر المجتمع الأكبر، في هذه الجلسات كان الكل يغنون ويرقصون ويسكرون و ... يمثلون، فالتمثيل أيضا، كالضحك خاصية بشرية لا يمكن إسقاطها عن الإنسان، ولكن التمثيل في هذه الجلسات كان لا يأخذ طابع الروايات كان يأخذ أشكالا أخرى، مثل أن يروي كل حاضر نكتة أي يأتي عليه الدور ليؤثر في الحاضرين مثلما تأثر هو بهم أي يحدث هذا التفاعل الاحتفال الجماعي .. بل إنه في مصر بالذات، اخترعت المحاورة التي يسمونها (القافية) وهي شكل مسرحي بدائي جدا ورغم هذا فرض نفسه على المسرح المصري المنقول فترة طويلة وكان علي الكسار يقطع المسرحية ليدخل قافية مع أحد الحاضرين. 
وليس معنى مشاركة كل إنسان أن يحدث هذا بالتساوي فهي مشاركة ذات درجات ولكن لابد من حد أدنى لها ولهذا كان دائما يحدث أن ينبغ بعض الأفراد في ناحية بحيث يبدأ الرقص جماعيا مثلا ثم لا يلبث الحضور أن يكتفوا بالتفرج على فرد أو أفراد منهم وهم يرقصون وذلك حين تصل متعة التفرج حدا اكبر من متعة المشاركة، ولكنه اختلاف في الكم فقط وليس في النوع، إننا إذا بدأنا الغناء جميعا وأوجدنا حالة المتعة الجماعية المشتركة نكون قد دخلنا في حالة من "التجلي" تجعل إحساس الفرد بصوته وبغنائه يتلاشى إلى درجة أنه إذا توقف لا يحس لأن أي مغن آخر يكون وكأنما يغني بحنجرته هو، ولعل هذا هو فكرة الكورس الأولى في الغناء الشرقي حين يبدأ احتفال الغناء بغناء الجميع إلى لحظة فقدان الإحساس بالذات حيث يكتفي بغناء الجميع إلى لحظة فقدان الإحساس بالذات حيث يكتفي بغناء فرد واحد حبذا لو كان أجمل الأصوات أي أكثرها غنائية أو موسيقية. 
ولابد من ملاحظة ظاهرة هامة في مجال الحديث عن الإحساس بنسيان الذات الفردية أو (خلعها)، إذ المعروف أن جميع هذه اللقاءات والاحتفالات وإن كان يصاحبها شرب الخمر مثلا أو تدخين المخدرات وهي كلها وسائل "تعجل" بحالة (الايوفوريا) أو ارتفاع الروح المعنوية والمرح وتسهل عملية الانزلاق من الذات الصغرى إلى الذات الأكبر. 
واجتماعات تدخين الحشيش في مصر دائما يسمونها "القعدة" لأنها ليست أولا وأساسا لعملية التخدير أو التدخين، إنها أولا وأساسا للحظتها المسرحية، للسمر، للونس، والحشيش ليس إلا "الشراب" الذي لم يرد تحريمه قاطعا في القرآن ربما لأنه لم يكن معروفا. 
أين المسرح المصري 
ونعود إلى السؤال: أين المسرح المصري إذن رغم كل ما قلنا، في الريف لا يزال السامر مسرحا شعبيا لا يعرف أحد متى بدأ وفي المدينة كاد ينقرض مسرح مماثل، مسرح الحواري، وخيال الظل والأراجوز وكل تلك الأشكال المسرحية الصريحة، ولكني لا أعتقد انها أشكال من احتكار الشعب المصري ولا يمنع هذا أن شعبنا بمواهبه التمثيلية والتأليفية طورها ونبغ فيها ذلك لأن الشعب المصري حدث له شئ في تاريخه لم يحدث لشعب آخر، شئ قطع تماما كل صلته بتاريخه الطويل الذي يعتبر أطول تاريخ لأي شعب معروف، وأوقف تماما سريان وتوارث التقاليد الحضارية وتراكمها في وجدان الشعب وعقله الباطن والواعي. 
فبعد سلسلة من الحكومات الأجنبية التي كانت الحضارة المصرية تبتلعها دائما وتمصرها جاء الدين المسيحي فآمن به الشعب إيمانا راسخا أقوى بكثير من إيمان أهل روما أو بيزنطة لأنه كلما تقدم الشعب حضاريا أصبح أكثر قابلية لتغيير معتقداته والتعصب لكل ما هو أرقى وأحدث، وتلقف الشعب الراقي هذا الدين الجديد فآمن به بإخلاص جعله يغير من ذاته تماما ويبتر كل صلة بكل معتقداته السابقة، وفعل هذا لمئات طويلة من السنين حتى جاء الدين الإسلامي فاعتنقه بإخلاص كامل أيضا وغير من ذات نفسه ليخضعها لتعاليمه. 
بالاختصار جاءت كتلة صلبة سمكها مئات السنين من العقيدة المسيحية والإسلامية لتقطع سلسلة التطور الحضاري فكانت وكأنما قضينا على الحياة المصرية القديمة وخلقنا حياة جديدة مسيحية أولا وكأن الشعب تحول كله إلى كهنة وقسس، إسلامية إلى أقصى حد وكأن الشعب تحول إلى أئمة ووعاظ، إن العبادة أي إفناء الذات الصغرى في الذات الشاملة الكبرى كانت دائما علامة رئيسية من خصال الشعب المصري في قديمه وحديثه وباستمرار وكأنه يتحضر ليؤمن بشئ أو ليعبد ويمجد العقيدة أو الفكرة.. 
هذا الحادث الضخم كان له أثره في حياتنا اليومية إذ كان علينا بعد الإسلام أن نبدأ في ابتكار حياة اجتماعية إسلامية جديدة، ابتكارات ظلت تتطور حتى وصلت في عهد الفاطميين إلى حد تكاملها الأول، وهو تكامل لم يكن كله من ابتكار الشعب المصري فدولة الإسلام الكبرى التي أصبح جزءً منها قد حملت إليه عادات وابتكارات من أقصى الشرق في الصين إلى أقصى الغرب في الأندلس ولأن نفس الشئ كان يحدث تقريبا في كل أجزاء الدولة الإسلامية فقد تقاربت أشكال الحياة اليومية في الممالك الإسلامية إلى حد بعيد. 
وفي المسرح بالذات لم يكن هذا هو ما حدث في أوروبا فالمسرح الإغريقي لم يمت تماما أو اندثر وإنما بقي في الكتب وبقيت نصوصه، وصحيح أنه كبت بالمسيحية ولكنه حين خفت قبضتها وتحركت الغريزة الجماعية لتعيده وجد كل شئ معدا لحياته الثانية ومنها انطلق. 
في مصر حين خف الإيمان المتعصب بالإسلام أيام الفاطميين لم يكن هناك ليزدهر إلا بعض الأشكال البدائية التي نمت بصعوبة في ظل الإيمان الجديد فلم يسترجع الشعب عاداته في الرقص ولكنه استرجع عاداته في تمجيد الموتى وبدأ العصر الذهبي للعمارة وأولها إقامة مدافن على شكل مساجد للحكام والأعيان، هناك، وعلى صورة واهية شديدة البهتان كانت ذكريات الحضارة القديمة لا تزال، مجرد أحاسيس غامضة خرجت هذه المرة على شكل إسلامي المظهر والمحتوى، احتفالات رمضان، وحفلات الذكر، ووفاء النيل وعودة مجالس القصاصين والحكايين وازدهار خيال الظل والأراجوز، كله إلا أن يمثل الشخص أو يقلد شخصا آخر لأن التحريم الديني كان يمنعه إذ كان فقهاء ذلك العصر وحتى إلى عهد قريب يعتبرونه نوعا من الاعتراض على الخالق في خلقه، فالإنسان في الجين الإسلامي من صنع الله وأي انتقاد له يحمل في طياته انتقادا لصانعه، وكذلك ارتداء قناع أو تغيير ملامح الوجه حتى لو كان وجه الشخص نفسه فهو أيضا تشويه في خلقة الله. 
ولكن التمثيل نفسه لم يتوقف، ظل يزاول بأشكاله غير المحددة ودون جرأة على تعريفه أو تحديده أو تطويره وهكذا نشأت القافية المصرية وخلقت العبقرية المصرية وطورت فن النكتة وإلقاء النكتة ووضعت فيها كل قدرة الشعب على السخرية وكل طاقته على الإيجار، والنكتة فن مسرحي أو على الأقل نوع من الحضور المسرحي الذي يقوم فيه شخص بإلقاء أو "تمثيل" موقف واحد متناقض من مواقف الحياة ولقد ازدهر هذا الفن لاحتوائه على كل الطاقة الدرامية لشعب محروم من إخراج هذه الطاقة على صور أخرى كما ازدهر فن الزخرفة المصري الإسلامي حيث حرم على الشعب إظهار طاقته الفنية التشكيلية في صور الأشخاص. 
نستطيع القول إذن أن محاولة العثور على شكل صريح للمسرح المصري في العصرين المسيحي والإسلامي تعتبر نوعا من الافتراء على الواقع، إذ الواقع لم يكن يشتمل إلا على أشكال بدائية وإن استطاعت أن تكفي إلى حد ما حاجة المصريين إلى التمسرح فهي أبدا لا يمكن أن تكون قد وجدت بمثل الصراحة والتحديد اللذين وجد بهما المسرح فيما بعد العصور الوسطى من أوروبا المسيحية. 
بداية مسرحنا 
حتى إذا عبرنا تلك الفترة وجئنا إلى بداية العصور الحديثة في مصر بالذات وجدنا حركة ترجمة نشيطة على يد المهاجرين اللبنانيين لنقل المسرح الفرنسي إلى اللغة العربية، تلك الحركة التي لا تزال سارية في حياتنا المسرحية إلى اليوم ولا يزال الاقتباس والتعريب والتمصير من العمد الرئيسية التي يقوم عليها مسرحنا. 
هذه الحركة التي تعتبر بداية حقيقية لمسرحنا المعاصر نستطيع أن نسميها بكل ثقة أنها كانت ولادة غير شرعية لذلك المسرح بحيث نشأ مسرحنا كحفيد ملفق للمسرح الفرنسي في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وتطور الأمر من لاترجمة الحرفية إلى التعريب والاقتباس، وليس فقط ترجمة واقتباسا للنصوص وإنما لمدارس التمثيل وللتقاليد المسرحية والتسميات المسرحية مما لا يزال شائعا إلى يومنا هذا ككلمات الديكور والاكسسوار والجان بريميير والفيديت والفودفيل والدراما وغيرها، وهي ترجمات واقتباسات كانت أولها ركيكة متهافتة بحيث كانت ملابس العمل المسرحي الأصلي الداخلية تبدو من تحت رداء الاقتباس أو الترجمة المهلهل، ولكن الوضع لم يستمر هكذا، تطورت الحركة، وبالذات على أيدي عزيز عيد ويوسف وهبي ونجيب الريحاني وعلى الكسار وأصبح للتمصير أو للتعريب النصيب الأكبر بحيث أن معالم المسرحية كانت في كثير من الأحيان تتوارى عن الأعين، وبحيث أصبح الاقتباس هو مجرد اقتباس "الرواية الجيدة الصنع" أو الهيكل العظمي المسرحي "ومعظمه لمسرحيات من ساردو" وتغطيته بلحم ودم مصري بحت كما كنا نرى في "كوميديات الريحاني الأخيرة" و"تراجيديات" يوسف وهبي في الثلاثينيات، بل تطور الوضع خطوة أخرى ووجد في أعقاب ثورة 1919 مؤلفين مسرحيين مصريين لا يقتبسون ولا يترجمون ولكنهم يؤلفون قطعا مسرحية كانت إلى حد ما تدور في فلك التراث الوروبي المترجم والمقتبس، ولهذا لم تعش مؤلفاتهم كثيرا وطغى عليها تيار الاقتباس المباشر ممثلا في الريحاني من ناحية ويوسف وهبي من ناحية أخرى إلى الدرجة التي ذبلت فيها حركة التأليف بحيث كادت مسرحياتنا كمسرحيات أحمد شوقي الشعرية تولد ميتة وكاد توفيق الحكيم "وهو واحد من مؤلفي سنة 1919" يتوب عن التأليف المسرحي كلية ويذهب إلى فرنسا حيث يتحول إلى كتابة الرواية وحيث يفاجأ هناك بالمسرح الفرنسي نفسه قد تطور إلى مدارسه الحديثة التي لم يكن شئ منها قد وصل علمه إلى المقتبسين في مصر، وبهره ما رأى إلى درجة أخذ يؤلف متأثرا بالمسرح الفكري الفرنسي فأنتج أهل الكهف وشهرزاد. 
ولكن درجات النجاح الساحق التي كان يقابل بها ما يقدمه الريحاني ويوسف وهبي وعلي الكسار لم تستطع أن توقف أبدا إلحاح الحاجة إلى المسرح المصري فكرة ودما ولحما، وهكذا حين عاد توفيق الحكيم عاد يكتب للمسرح أيضا ولكنه لم يشأ أن يدخل برواياته لتتنافس مع البضائع الرائجة في السوق، فوضعها في كتب، وسماها تمييزا لها وارتفاعا بها عن المسرح التجاري الناجح "المسرح المقروء" وتقريبا وعلى نفس هذا المنوال نسج محمود تيمور وعلي أحمد باكثير وعزيز أباظة. 
ومرة أخرى أنبه الأذهان إلى أن هذا العرض ليس تاريخا للحركة المسرحية ولكنه عرض لهذا التاريخ من خلال وجهة خاصة، فما كادت الحرب تنتهي وتتهيأ بلادنا للثورة العارمة المقبلة حتى كانت منشئات ثورة 19 ومخلقاتها قد بدأت تلهث الأنفاس وتتسرب منها الحياة، فلم تشارك الفرقة القومية التي أنشئت لعرض المسرح المصري المؤلف أساسا مشاعر الشعب ولا بوادر تحركاته الثورية، كانت في واد والشعب في واد، وحتى التأليف المسرحي المصري كان هو الاخر في واد إذ كان توفيق الحكيم قد أصبح همه أن يطور مسرحه الفكري الخاص بطريقة أصبح يبتعد بها عن الحياة وعن الناس بسرعة، وكان تيمور يؤلف عن الجن وباكثير عن سر الحاكم بأمر الله وعزيز أباظة عن قيس ولبنى في الوقت الذي كان الشعب فيه يغلي تحت حكم ملك حاكم بأمر الشيطان، وهكذا حين جاءت ثورة 1952 كان مسرح ما بين الحربين قد مات دون أن يتفضل أحد بمنحه شهادة الوفاة ولهذا لم يكن غريبا أبدا أن يصل عدد الرواد في إحدى حفلات يوسف وهبي إلى خمسة أشخاص بطريقة يضطر معها هذا الفنان الكبير إلى إلغاء الحفلة والفرقة المصرية الحديثة "القومية سابقا" قد استنفدت أغراضها في عرض البخيل وطرطوف ولويس الحادي عشر، وثمة فرقة أخرى، فرقة المسرح الحر قد خرجت إلى الوجود ولكنها لا تزال مواهب تمثيلية بغير تأليف مسرحي. 
في هذه الفترة بالذات أصبحت الحاجة ماسة إلى مسرح من نوع جديد وأبطال جدد، وهكذا جاء تقديم "الناس اللي تحت" لنعمان عاشور، وجمهورية فرحات وملك القطن والصفقة وقهوة الملوك والمحروسة والفراشة بمثابة بداية جديدة لمرحلة تطور هامة من مراحل المسرح المصري. 
هل خلقت الحركة مسرحنا المصري الحقيقي 
ولكن هل جاءت تلك المسرحيات لتخلق المسرح المصري البعيد عن الاقتباس والترجمة والتعريب، البعيد عن كوميديات الريحاني وتراجيديات يوسف وهبي؟ 
لكي نكون صرحاء مع الواقع يجب أن نقول أن هذه النهضة المسرحية الجديدة لم تكن إلا طورا أرقى من أطوار الاقتباس والتأثر فهي قد جاءت لتضيف دورا جديدا إلى بناية من أساسها أوروبية فرنسية معربة، كل ما في الأمر أنها، هذه المرة، نتيجة تأثرات بمدارس أوسع، منها المسرح التشكوفي والأبسني والأمريكي الحديث، التأليف أكثر تماسكا هنا والشخصيات أكثر مصرية ولكن القالب والموضوع لا يزالان في حدود القوالب المسرحية الروسية أو الفرنسية أو الأمريكية، إن هناك تشابها كبيرا بين الروح التي أملت كتابة هذه الروايات وتقديمها وبين الروح التي سادت مصر أثناء ثورة 19 وفي أعقابها والتي املت على محمد تيمور ومحمود تيمور وبديع خيري ونجيب الريحاني وتوفيق الحكيم كتابة رواية "الثورة المصرية الولى"، روايات هدفها الانسلاخ بالموضوع وصبغه بصبغة مصرية ثورية، ولكن المشكلة الكبرى أننا فعلنا هذا في الثورة الأولى والثورة الثانية بوسائل وتكنيك ومسرح ليس مسرحنا النابع منها ومن تقاليدنا. 
وهنا يبرز السؤال الخالد، هل هناك سوى طريق واحد على المسرح المصري أن يمضي فيه وذلك بقبول الأساس المعرب والمضي في تطويره إلى أن يتلاءم مع طبيعتنا؟ 
أم لكي نكتشف مسرحنا الحقيقي الخاص بنا علينا أن نسلك طريقا مختلفا تماما، يكاد يكون عكس الطريق الأول، طريقا أشق قليلا لأن علينا فيه أن نكتشف أنفسنا ونكتشفها في نقطة يكتنفها غموض كثير هي طبيعتنا الدرامية وكنهنا المسرحي؟ 
تلك هي المشكلة الملحة التي أعتقد أنها أصبحت تواجه جميع المشتغلين بالمسرح المصري المهتمين به، لأنها ليست مشكلة تختص بالتأليف المسرحي وحده ولكنها تشمل طرق التمثيل والإخراج وحتى شكل المسرح نفسه وهندسته، مشكلة خطيرة ملحة ولكني أعتقد أننا قد وصلنا في طريق النضج إلى مستوى أصبح علينا فيه أن نناقش أمثال هذه المشاكل الخطيرة الملحة ونواجهها، بل ويذهب بعضنا إلى حد تقديم النماذج. 
ولنبدأ بالسؤال الأول 
إنني أعتقد أننا مهما غيرنا وبدلنا وطورنا في المسرح الأوروبي فستبقى طبيعته أوروبية بعيدة عنا بعد أوروبا عنا لا تندمج معنا ولا نندمج معها مثلنا مثل الماء والزيت، فلكل شعب من الشعوب طبيعته الخاصة التي ينتج فنونه استجابة لها، إن هناك فارقا أساسيا بين العلم والفن، فالعلم ممكن أن يكون قوانين عالمية يتداولها كل البشر ويفيدون منها ويطبقها كل شعب بنفس الروح والعقلية، ولكن حتى حتى هذا العلم يجب أن يكون شاملا وعالميا نجد له انواعا، ففي الهند والصين مثلا توجد ثلاثة أنواع من الطب، الطب الأوروبي التقليدي، والطب التجريبي الهندي الشعبي والطب العربي اليوناني الذي يستعمل تركيبات المؤلفين العرب واليونانيين القدامى، بل لقد أخبرني الصديق الكبير الدكتور أنور المفتي أن نتائج العلاج بالأنواع الثلاثة تكاد تكون متقاربة في درجة فاعليتها بل أحيانا يتفوق الطب الشعبي التجريبي والطب العربي اليوناني على طب أوروبا نفسه، هذا في العلم فما بالك في الفن، حيث هو ليس فقط محليا بطبعه ولكنه مالم يكن محليا فقد طبعه وطبيعته كفن، إن الفن الذي نسميه عالميا ليس سوى الفن الأوروبي الذي نسميه من باب التجاوز أوروبا نظرا لدرجة انتشاره الكبرى، ولكنه أولا وأساسا فن أوروبي بحيث إذا عزلناه عن أوروبا التي أنتجته لفقد تأثيره تماما وفنيته، لأن كل فن هو نتاج شعب أو شعوب تحيا في بيئة وذات معينة وذات مزاج وتكوين نفسي معين بحيث لابد أن يتطابق الناتج "الفن" مع المنتج "الشعب" أو الفنان النابع من هذا الشعب. 
ولهذا أيضا فالمسرح بشكله "العالمي" المزعوم أصبح يهدد المسارح الشعبية الأخرى في كل بلاد الدنيا إلا في بلاد راسخة التقاليد المسرحية الخاصة كالصين واليابان، وهذا المسرح هو الذي قضى على مسرحنا الخاص بنا والذي كان محتما أن يظهر إلى الوجود يوما، وهذا المسرح أيضا لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يحل محل مسرحنا الخاص بنا أو يمنع ظهوره إلا إذا كان باستطاعة اللغة الفرنسية أو الإنجليزية أن تغنينا عن لغتنا العربية وتقضي عليها وتحل محلها، فالفن كاللغة جزء لا يتجزأ من طبيعة الشعب وخصائص وجوده . 
والحديث هنا ليس فقط عن المسرح الأوروبي الصريح ولكنه أيضا عن المسرح "المصري" الناتج عن التأثر بالمسرح الأوروبي، ذلك المسرح الذي يكون معظم بل كل رواياتنا التي ألفت للمسرح إلى الآن وبما فيها المدرسة المصرية الحديثة، إن ازدهار هذا النوع ورواجه لا ينفي أبدا أنه ليس منا وليس من طبيعتنا بل أنه يؤكد حاجة شعبنا إلى المسرح بشكل عام وأهميته في حياته بحيث أنه حين لا يجد مسرحه يقبل على المسرح الآخر "وشئ خير من لا شئ بالمرة". 
الفن إذن خاصية من خواص كل شعب، والمسرح أيضا كما رأينا جزء لا يتجزأ من طبيعة كل شعب، والمسرح الأوروبي سيظل أوروربيا بالنسبة لنا وكذلك كل الأشكال المتفرعة منه والمتأثرة به وكل مدارسه في التمثيل والإخراج والهندسة المسرحية .. 

السبت، 29 أكتوبر 2011

ندَّاهة الكتابة نصوص مجهولة فى إبداع يوسف إدريس د. عبير سلامة ج7


 النداهة([1])

«إلى جوار مدار الساقية، كان "مكاوى" ممددا فى العين الكبيرة ب- "الطوالة". وإلى جواره فى العين الأخرى الصغيرة، كانت بهيمة الغيار تلوك بفكيها حفنات من التبن المخلوط بالفول. وعلى رأس "مكاوى" تماما سقطت دودة سنط صغيرة من أعلى الشجرة، وراحت تتضاغط بجسدها الأملس، على عنق "مكاوى" وخده. كان "مكاوى" راقدا فى سكون، ولكن رأسه كانت تغلى بسخونة مرتفعة. كان عقله صاحيا، وكانت حواسه أكثر صحوا. كان يريد أن يفيق، أن يجلس، أن يخنق الآلام الفظيعة فى رأسه بيديه. ولكنه لم يقدر مطلقا. لم يقدر أن يرفع يده، ليقتل هذه الدودة.
وفتح "مكاوى" عينيه بجهد، فتجهما للحظة خاطفة. كانت البهيمة ما تزال تواصل خطواتها الرتيبة فى المدار، ومعنى ذلك، أن أحواض الأرز تتدفق فيها مياه الساقية، وكان الظلام مشوبا بضوء رمادى، ضوء الفجر الكاذب. وأغمض "مكاوى" عينيه بسرعة، وراح يحاول جاهدا، أن يبعد الصور المخيفة من رأسه. ولكنها راحت تتوالى برغمه، بسرعة خارقة، واحدة بعد الأخرى.. كانت دواليب الساقية الصفيحية تمتليء بمياه سوداء، عطنة الرائحة، ثم تتدفق فى الإسمنتى الصغير، وتنحدر إلى قناة إسمنتية، تحت مدار الساقية، لتخرج من الناحية الأخرى، صاخبة، فتصطدم بجدار الإسمنت، ويردها الحاجز الطينى على القناة الكبيرة، فتجرى إلى أحواض الأرز مع مجرى القناة.. وكان أنين الساقية الرتيب يدوى، وينسكب كالدموع فوق المزارع كلها، فوق أحواض الأرز الفسيحة، وأشجار السنط، والتوت، والسدر والأعشاب الشيطانية على خفافى القنوات.. وبين الأسلاك الشائكة التى تحيط بالحدائق المتناثرة هنا وهناك، كانت تومض أوراق عش الغراب ومضات فوسفورية خاطفة، وكان يجرى نمس، وآخر من حقل إلى سواه.. وعلى البعد، قريبا من القرية، كانت المقابر راكدة مخيفة، تحول فيها الأجداد والآباء والأمهات، إلى أشباح مرعبة، تبعث الرعدة فى القلب.
ولم يع "مكاوى" شيئا بعد. غرق فى غيبوبة كالكابوس. فقط، رأى نفسه مكان البهيمة فى المدار، ورأى طاحونة صخرية مكان الساقية، ورأى نفسه يدور بالطاحونة الصخرية الضخمة. وكان ثمة كائن مجهول، عملاق، يحمل سوطا ذا ألف شعبة. ويقف فوق حجر الطاحونة، وراح العملاق يدور معها ويهوى بالسوط على جسده. وراح هو يرتعد تحت ضربات السوط، ويجرى ويجرى على مدار الطاحونة، دون توقف , ثم اخذ يناضل بكل قواه، ليفتح عينيه ن وأذنيه، ليهرب من الطاحونة. وأخذ العملاق ينكمش، ويتضاءل. وراحت الطاحونة تختفى. ووقف هو على المدار، وفتح عينيه.. كانت الدودة تسرى أمامه على حافة "الطوالة". مد يده آنئذ، وقذفها بعيدا بقسوة. وعندئذ رأى البهيمة واقفة على المدار، وليس حوله من صوت، أى صوت.
كان "مكاوى" يتصبب عرقا. وفكر أنه ينبغى للساقية ألا تكف عن الدوران، حتى الصباح. وتحامل "مكاوى" على نفسه، وغادر "الطوالة" على قدميه، وفك رباط البهيمة، وذهب إلى المدار. ينبغى للساقية أن تدور، حتى ولو كان ميتا. لابد أن تشرب الأرض، وأن يكبر الأرز ويكبر، ويصبح أصفر مثل الكردان الذهبى. وضرب "مكاوى" البهيمة بحبل من التيل، فراحت تدور بالساقية، وراحت الساقية ترسل انينها الرتيب. وآنئذ مرق نمس صغير مرتعبا. وهو يبحلق بدهشة فى أوراق عش الغراب البراقة. وعاد "مكاوى" بالبهيمة المجهدة، لتأكل، وتستريح. وراح يوثق قيودها فى الوتد الخشبى. وعندما كان منحنيا، تدفق الصداع إلى رأسه ثانية، وراح يرتعد. وعندما رفع رأسه منتصبا، انفتحت أذناه، وراح يسمع:
كان طنين جارف هدار، كموج البحر، يملأ أذنيه. وأخذ الطنين يتلاشى، ويختفى. وفى الوقت نفسه، انبعث صوت هاديء، راح يعلو رفيعا كالخيط، ثم راح يزداد حدة وصخبا. وعندما استوت نغماته، سمع "مكاوى" اسمه، سمعه يتردد فى فضاء الحقول، ويتدفق مع مياه الدواليب فى الساقية، ويخرج من كل مقبرة، ويسقط من حالق، من كل نجمة فى السماء. كان الصوت رفيعا أجوف، يردد: " يا مكاوى.. يا ميكااااوىى.. يا مكاوى.. "
كان جسد "مكاوى" ينتفض كله، تسرى فيه النار، والرعشة، والخوف. ورفع "مكاوى" يديه بسرعة، ليغلق أذنيه، لكيلا يسمع اسمه، واغلق عينيه أيضا , ولكنه راح يسمع اسمه يتردد فى داخله:
".. يا مكاوى.. يا ميكااااوىىى.. يا مكاوى..". وتراجع "مكاوى" إلى الوراء، خطوة، خطوة، خطوة. كانت ركبتاه متيبستين، ولكنه راح يتراجع للخلف. ويتراجع. وقال لنفسه: "يمكن هيه.. هيه تمام". وللفور، وقف، ومد عينيه بعيدا فى قلب الظلام. وفكر أن الصوت ياتى من هناك، من قلب المقابر، وأخذ يتراجع، ويتراجع، حتى أصبح على شاطيء الترعة، فى قلب الطريق العريض. وتوقف "مكاوى" فجأة، وراح يصرخ بأعلى صوته فى الفضاء:
- أنا عارفك.. أنا عارفك كويس.. مش انت النداهة.. أنا عارفك.. عارف انك بتنادينى علشان أموت.. انت موتى عمى قبل كده، وما قلناش حاجة.. بس سيبينى يا نداهة للصبح.. سيبينى لما ييجى ابن عمى.. الرز عطشان.. عاوز يشرب.. عشان النبى يا شيخة..
وصمت "مكاوى". وآنئذ ارتفع الصوت ثانية، وراح يتردد فى أذنيه كالصدى: ".. يا مكاوى.. يا ميكااااوىىى.. يا مكاوى.." وانتصب هو بكل استطالته فى الظلام، وهتف:
- يعنى مش عاوزه تبطلى.. طب تعالى لى هنا.. اطلعى من الترب وتعالى موتينى.. بلاش الرز يشرب.. تعالى هنا.. يا تموتينى يا موتك.. سامعه!
وعاد الصوت يتدفق ثانية فى أذنيه، دون مبالاة: ".. يا مكاوى.. يا مكااااوىىى.. يا مكاوى.." وغاص الخوف فى قلب "مكاوى" إلى أقصاه. سيموت حتما. لن ينجو أبدا. لم تناد المكلوبة أحدا ونجا من الموت. سيظل عدة أيام يسمع نداءها. عندما نادت عمه لم ينم، ولم يأكل، ولم يشرب، ولم يتكلم كلمة. راح يجف كالحطبة حتى مات. ربما مات هو الآن. اكتسحه الخوف تماما، فراح يعدو مذعورا وعند المنعطف، قذف بنفسه فى طريق القرية كالريح، وراح يجرى، يجرى، دون توقف. وسقطت رجله فى حفرة، فانكفأ على وجهه، واصطدمت رأسه بالأرض الترابية. ولكنه وقف ثانية، وراح يعدو بكل قواه. كان الصوت ما يزال يطارده، ويدوى فى أذنيه مترددا، هذه المرة، مع وقع قدميه، قادما من ألف ناحية. كانت آلاف الأيدى، أيدى أولاد النداهة الصغار تصفق، وتردد مع النداهة: ".. يا مكاوى.. يا مكاوى.. يا مكاوى". كان يحاول أن يبتعد عن أيديهم فى جوانب الطريق، ولكنهم كانوا يلمسون ظهره، فى كل مرة، بأيديهم الباردة، ويصفقون، ويرددون اسمه. اصطدمت قدم "مكاوى" بحجر، فوقع ثانية. خيل إليه هذه المرة، أن النداهة تجذبه من ساقه. فجذب ساقيه إليه مرتعبا. ورفع رأسه لينهض. كانت المقابر أمام عينيه، على حافة الطريق، بجواره تماما. سقط على وجهه مذعورا. لم تكن لديه قوة ما ليقف. لم يستطع أن يحرك ساقيه، لم يستطع أن يبكى، ولا أن يصرخ مستنجدا. راح يزحف. أخذ يغرس يديه فى التراب. كان الصوت يدوى فى أذنيه ما يزال. كان الصوت قد أصبح هادئا، وهامسا جدا، هذه المرة. أليس "مكاوى" قريبا منها، هنا، بجوار المقابر. إنها هناك تنتظره ليذهب. كانت تقول له بخلاعة: "يا مكاوى.. مكاوى.." كان صوتها هامسا جدا، ولكنه لن يذهب أبدا، أبدا. وعبر قنطرة المصرف، ودخل أول شارع. لم يكن بمقدوره أن يتكلم. ومع ذلك. صرخ بكل استطاعته طالبا الغوث. ولكن أحدا لم يسمعه. فكر أن القرية كلها قد ماتت. قتلتها النداهة. ولم يبق سواه. أولاده الأربعة أيضا ماتوا. وتحركت ساقاه آنئذ، ونهض منتصبا، وصوت النداهة يطارده، ساخرا ضاحكا، مدويا فى الفراغ. وراح يعدو. فليمت هو. ولكن أولاده ينبغى أن يعيشوا ليزرعوا الأرز فى كل عام. ووقف أمام الباب. ومد "مكاوى" يده إلى أعلى لاهثا، إلى الحلقة الحديدية فى الباب الضخم. ودق الباب. بعنف، بحدة، ليوقظ أولاده الذين ماتوا، وراح ينادى بصوت داو:
- آسما.. آسما..
وسمع الباب يزيق. سمع باب القاعة عاليا فوق صوت النداهة. ورأى الضوء من بين ألواح الباب السميكة، ضوء اللمبة أم شعلة، باهتا، مرتعشا. وفتحت "آسما" الباب. وفتح "مكاوى" فمه، وسألها بلهفة عن الأولاد. وتطلعت هى إليه برعب، وتمالكت نفسها. كان صوته يدوى فى نفسه مختلطا بنداء النداهة. سألته هى قائلة:
- سيبت البهايم والرز يا مكاوى؟   
لم يجبها هو. وصرخ فى وجهها عندئذ:
- الأولاد.. آسما.. الأولاد..
فزعت هى. لم تسمعه قط. سحبته من يده، وأغلقت الباب، بينما كانت تصرخ فى قلب البيت:
- يا حاج.. مكاوى.. مكاوى يا حاج!
وسار "مكاوى" معها إلى القاعة، متكئا إلى ذراعها. وعندما رأى أولاده نياما، ألقى بنفسه إلى جوارهم على الحصير. وصرخ الحاج من قلب الظلمة خارج القاعة:
- ماله يا آسما.. ماله مكاوى..
وراحت "آسما" تدثره بالغطاء، وكان الحاج يتحسس الظلام بيديه، مع أن الحاجة تقوده من يديه. ودخلا القاعة. وراح الحاج يتحسس نور القاعة بيديه. باحثا فى الفراغ عن "مكاوى". وأجلسته الحاجة بجوار ابنه. وتطلع "مكاوى" إليهم جميعا. هذه هى البداية. حاول أن يحدثهم عن البهائم، والأرز، والصوت الذى ما يزال يسمعه.إن أحدهم لن يسمعه مطلقا، لا يسمع صوت النداهة سوى الشخص الذى تناديه. قال الحاج: - مالك يا مكاوى؟.. عيان؟.. سيبت البهايم..؟.. الرز شرب؟ الميه حاتروح بكره.. حاتروح بكره يا مكاوى!!
هز "مكاوى" رأسه موافقا. لم يره الحاج مطلقا. قالت الحاجة:
- بيقول لك أيوه يا حاج.. هو عيان، وساب البهايم.. مش قادر يتكلم يا حاج.. الواد اللى ايدنا ورجلنا يا حاج..
بحلقت عينا الحاج آنئذ، كعينى مومياء، زجاجيتين، فى الفراغ. وهتف مرتعبا فى وجه "مكاوى":
- مكاوى.. انت سمعتها.. سمعت المكلوبة..
لم يجرؤ الحاج على أن ينطق باسمها قط. وتحدرت الدموع من عينى "مكاوى" فى صمت. وراح ينشج بلا صوت. كان جسده يغلى، ينشر حوله صهدا كصهد النيران. ومدت الحاجة يديها وأغلقت له أذنيه. هز هو رأسه دلالة على الرفض. ما الفائدة. لقد نادته وانتهى الأمر. إنه وهو بين يدى أمه ما يزال يسمعها تناديه، ساخرة، بصوت خليع: "يا مكاوى.. يا ميكااااوىىى.. يا مكاوى..". تركته الحاجة، ووقف الحاج وهو يبكى، وهتف:
- آسما.. روحى صحى ولاد أخويا.. يشربوا البهايم والرز..
وتحركت "آسما" خائفة. خافت أن تقابلها "النداهة" فى البيت، أو فى الشارع، وكانت تعلم أنها لا تغادر المقابر قط. وخافت أن تناديها بدورها. كان ينبغى عليها أن تذهب، حتى ولو نادتها المكلوبة، وخرجت "آسما" من القاعة فى صمت. وضرب الحاج كفا على كف، وقال مخاطبا نفسه:
- العوض على الله.. راح الواد فى شربة ميه.. الواد حاينشف زى الحطبة.. مش حايتكلم.. مش حاياكل.. مش حاينام.. العوض على الله..
ومسح الحاج دموعه، ونظر إلى السقف قائلا لله بصوت عال:
- طب موته موتة تانية.. خده دلوقت.. بلاش موتة المكلوبة ديت.. بلاش تعذبه بدون أكل ولا شرب
.. سامعنى.. ولا نوم.. سامعنى..
وهتفت فيه الحاجة قائلة:
- قدر ولطف يا حاج.. وحد الله يا حاج.. مين عارف اللى فى علمه..
وسكت الحاج لحظة، كمن أشرقت فى رأسه فكرة. كان الأولاد قد التفوا حول أبيهم فى صمت. لم يجرؤ أحدهم حتى على البكاء. كان دخان اللمبة أم شعلة يملأ الحجرة ز وقال الحاج للحاجة:
- حاجة؟.. روحى خبطى على باب الدكتور.. هاتيه.. يمكن.مين عارف.. يمكن عنده دوا للمكلوبة..
وعادت "آسما" آنئذ، وهى ترتجف وحدها. لم تجرؤ امرأة على أن تغادر دارها معها. وخارج الدار، وقف بعض الشبان يتهامسون فى جرأة، وأيديهم ترتعد. وقالت "آسما" للحاج:
- أولاد أخوك راحوا يا حاج، وخدوا معاهم العصيان والبنادق..، كانوا عاوزين ييجوا، قلت لهم مفيش لزوم للصبح، ويروحوا للبهايم والرز.. طلعوا يجروا ربع على هناك..
أغمض "مكاوى" عينيه. كل شيء بخير الآن. أما هو فلا فائدة منه. لا فائدة مطلقا. لن ينجو أبدا. وفتح "مكاوى" عينيه، ونظر لأولاده بحنان. استبقى لهم الأرض، والبهائم، وأولاد العم. لن يموت أحدهم جوعا.. وقال الحاج لاسما:
- آسما.. روحى مع الحاجة للدكتور.. مين عارف ياولاد..
وخرجت المرأتان. كان الطبيب قريبا من البيت. وعندما سمع طرقات الباب، كان الفجر يفتح صدره الرحب لشقشقة العصافير فى باحة الدار. وترك الطبيب سريره، دون كلمة، ووضع المعطف الرمادى على كتفيه. وذهب معهما دون أن يقول شيئا ما. وفى الطريق سألهما عن الخبر، فمالت عليه الحاجة هامسة فى ارتعاب، بينما كانت عشرات الأعين، ترقب الموكب الصغير، من وراء النوافذ المغلقة. قالت الحاجة:
- المكلوبة يا خويا.. نادت ابنى.. مكاوى..
ابتسم الطبيب. وقال لنفسه: "النداهة.. مرة تانية". ومع ذلك فقد ارتجف. كانت النسوة يتجمعن فى الضوء الرمادى، بملابسهن السوداء، أمام أبوب البيوت فى الحارة. ونظر الطبيب إلى وجه "مكاوى". كان محتقنا جدا. سأله الطبيب قائلا:
- دماغك بتوجعك؟.. وبتحس ببرد؟
- سامع حد بينادى عليك؟.. وبتلف فى طاحونة؟
ومضت آنئذ عينا "مكاوى" الضيقتان، خلف غلالة العرق المتفصد من جبينه. وهز "مكاوى" رأسه موافقا. وآنئذ مد الطبيب يده إلى حقيبته، وأخرج منها زجاجة صغيرة، ومن الزجاجة أخرج حبتين، وهزهما فى يده وقال بثقة:
- حبتين الكينين دول.. مش حيخلوك تسمعها أبدا.. ومش حتقدر تقرب منك..
وجاءت "آسما" بكوبة ماء. وتجرع "مكاوى" الحبتين، وومضت عيناه بالأمل. ولمعت عينا الحاج، عيناه الزجاجيتان، وتحركتا للحظة خاطفة. وقال للطبيب بدهشة وفرح:
- دا شرب يا دكتور.. يعنى حايعيش.. ندر على يا شيخ، يا دكتور.. لو ما قدرتش المكلوبة تقرب له، لابنى لك مقام.. واعمل سبيل فى طريقك.. عشر تزيار للناس تشرب..
وضحك الطبيب برفق. وجلس ليشرب فنجال الشاى من يد "آسما". وراح يرقب "مكاوى". كان مدثرا بغطاء صوفى من وبر الغنم، وكان العرق يتفصد من كل وجهه، ويصنع مع التراب أخاديد من الوحل، ويتحدر فيها إلى عنقه، وصدره. وقال الحاج للطبيب:
- راح يعيش يا دكتور؟ حاكم أخويا مات بسبب المكلوبة.. رجع من الغيط ماتكلمش.. وماكلش.. ولا شربش.. ولا نامش.. وفضل ينشف زى الحطبة كام يوم لحد ما مات..
كان "مكاوى" ينام آنئذ، يغفو بهدوء، وأنفاسه تنتظم. لم يكن يسمع شيئا قط، لا النداهة. ولا الجالسين فى الحجرة الطينية. وقال الطبيب للحاج:
- اطمئن يا سيدى.. أهو شرب.. وأهو دلوقت نام.. ولما يصحى جهز له فرخة شمورت ياكلها..
وقال الحاج فى حيرة:
- لكن. أخويا؟ ازاى كان زيه، وماكلش، ولا شربش، ولا...؟
وأجاب الطبيب قائلا بسأم:
- ماكانش فيه دوا أيامها ضد النداهة يا حاج..
وتذكر الحاج أن البلدة لم يكن بها طبيب وحاد فى ذلك الحين. ولكنه هز رأسه بشك. وقال للدكتور:
- كلام إيه ده يا دكتور.. هو فيه دوا يقف ضد المكلوبة ديت.. دى جنية كافرة.. مابيردهاش حد، ولا شيء فى الدنيا كلها.. دى ربنا سايبها على الخلق، ليوم القيامة يقصف رقبتها..
وهز الطبيب رأسه دون أى انفعال. نفس الكلمات كان يسمعها دائما فى آخر الليل. وقال للحاج بتأكيد:
- ما هى النداهة يا حاج، ما بتناديش الواحد، إلا لما يكون عيان!
وهز الحاج رأسه دون أن يفهم شيئا. ودخلت "آسما" بالشاى. وشرب الطبيب كوبه بسرعة، ثم وضع يده على جبهة "مكاوى". كانت حرارته قد هبطت. ووضع الطبيب معطفه الرمادى فوق بيجامته. وحمل حقيبته الصغيرة فى يمناه. وقال للحاج:
- حايصبح رايق إن شاء الله.. أما يصحى خليه يفوت عليه فى العيادة أو البيت، علشان أديله دوا..
وسارت معه "آسما" تودعه إلى الباب. كان ضوء الفجر قد انتشر. وتسلق الطبيب كومة من السباخ فى الحارة، وانحدر هابطا من فوقها. وعند الجدار الخرب، الذى يجلس تحته مبيض النحاس، شاهد الأطفال يلتفون حول أحدهم. كان هو بعينه ابن "مكاوى". وسمعه الطبيب يقول لمن حوله:
- انتو عارفين سيدى الحاج.. دا أصله مخاوى واحدة من الجن. انتو عارفين الساقية بتاعتنا. دا مرة جدى نزلها، طلعت له جنية، بيطق من عينيها النار، نادته، وخدته معاها تحت الأرض. وعاش معاها هناك.
ووقف عندئذ قريبا من الأطفال فى الضوء المتكثف. وسمع أحدهم يقول لابن "مكاوى":
- طيب، كان بيتنفس ازاى تحت الأرض..
كان هو نفس السؤال الذى دار بخاطر الطبيب. وقال ابن "مكاوى" ديت تقدر تعمل قطة، وتقدر تعمل حمار، وتقدر.. دا جدى خلف منها أربعة، عايشين هناك تحت الأرض.. وفين وفين على ما رضيت الجنية تسيب سيدى الحاج يرجع لنا، بعد ما خدت عليه شرط..
وسأله الأطفال دفعة واحدة:
- إيه هو الشرط؟
رفع ابن "مكاوى" رأسه فى تعال، وقال بثقة:
- إنه مايقلش لحد عنها، ولا يجيب سيرتها.. وكمان هو ما خلفش حد بعدها.. دى خدت أم أولاده..
وضحك الطبيب، ضحك من أعماقه، دون صوت، ودلى رأسه بين كتفيه، وراح يهز الحقيبة فى يمناه وهو يمر بجانب الأطفال، وواصل سيره فى ارض النداهة. أرض خرافية. وبين حين وآخر، كان الطبيب يذب بكفه بعوضة صغيرة كانت تحط باستمرار، على أذنه اليسرى!».
*** *** ***
العالم الرئيسى فى القصتين هو عالم القرية، وفى حين جاء سليمان فياض بالمدينة ممثلة فى الطبيب إلى القرية، أخذ إدريس شخصياته إليها، ولأنهم غير مؤهلين لاحتمال تناقضاتها وقسوتها - عادوا منها فى النهاية مهزومين.
عنصر الهاتف الغامض أو الصوت الآمر أبرز ما يميز القصتين، وهو تجسيد لفكرة الجبر أو القهر القدرى الذى تقع الشخصيات البائسة هدفا له. وتتضمن النهاية فى القصتين خلاصا من الهاتف، وتطورا فى الوعى بفضل المعرفة الجديدة، ويأتى الخلاص دائما على يد ابن المدينة.
الشخصية الرئيسية فى القصتين أضعف من عالمها، يعاندها القدر ويسير حركتها دون أن يمنحها شيئا من سُبل مواجهته والتماسك أمام قسوة اختياراته. والصراع لا وجود له، لعدم التكافؤ بين الطرفين.
يتضح عنصر التقابل: بين الجهل والمعرفة فى نداهة سليمان، وبين البراءة والشر فى نداهة يوسف. ويوجد فى القصتين عنصر التهرب من مواجهة الأزمة الحقيقية أو المشكلة، من قبل الطبيب فى نداهة سليمان، وحامد فى نداهة يوسف.
الموقف الفكرى فى القصتين هو مواجهة مجتمع يندفع للمدنية راغبا فيها، ويتشبث فى الوقت نفسه بروابطه التى تربطه بمجتمع زراعى متخلف فكرا ومادة، ويعنى التفكير الخرافى فى القصتين عجز الإنسان عن التحكم فى مصيره وفى الظروف المحيطة به، وكان الحل الذى طرحه فياض يقترح وجوب مساعدة المجتمع فى عملية التغيير بإلقاء المسؤولية عليه، أما إدريس فالحل عنده يعتمد على المصادفة، ويعول كثيرا على تغير الوعى فى لحظة مفاجئة قد لا تحدث أبدا، وهذا ما لا يتفق مع أيديولوجيته، ومع توجهات العصر الذى صنعه.
الإلحاح على فحص ارتباط الكتابة بالعصر والواقع إلحاح فاسد، فقوة الكتابة ليست فى استجابتها لمقاييس عصرها فحسب، بل فى استجابتها لمقاييس مستقبلية تجعلها صالحة لإثارة خيال من يتلقونها فى أى عصر، ونحن إذ نطلب من الكاتب أن يعبر عن كذا ويصور كذا من القضايا والأفكار، فإننا فى الحقيقة نطلب منه تكرار ما هو موجود، نطلب منه المألوف الذى لا يكلفنا مجهودا ذهنيا لفهمه، ونفسيا للتوافق معه، وخياليا لإدراكه، فى حين أن وظيفة الكتابة الأهم، من وجهة نظرى، أن تجعل المتلقى يستعين برؤيته الخاصة للحقيقة كما تتجلى فى التجربة المتخيلة، لإدراك الوجوه المتعددة للحقيقة فى الواقع واختيار أحد هذه الوجوه مع ثقته بكونها ليست نهائية.
وتبرز عبقرية الكاتب حين يجعل المتلقى يستغرق بكليته فى عالم آخر، متحررا من قيود العقل والزمان وضرورات عالمه، ثم يقيم تجربته بالنسبة للتجربة المتخيلة، ولن يستطيع ذلك إلا إذا قام هو نفسه - الكاتب - بتقييم الحياة فى فنه بالنسبة إلى قيم كبرى خالدة فى كل عصر.
لا يمكن القول إن إدريس فى قصة النداهة كان معنيا بإقناع المتلقى بأمر ما، أو تعليمه سلوكا اجتماعيا خاصا، فجل عنايته كان موجها - كما يُنتظر من أى فنان حقيقى - إلى إخصاب الخيال، والوصول بقارئه إلى حالة الاتصال بالشخصيات لمعايشة عذابها، ثم الانفصال عنها لمعاينة عذابه الشخصى.
وآية ذلك أن الحس القدرى فى القصة يناقض الرؤية الاجتماعية التى سادت فى وقت كتابتها، والتى آمن بها إدريس نفسه، فكيف يتفق هذا الاستسلام أو الاستلاب المروع من الشخصية مع الرؤية التى تنادى بامتلاك الإنسان / الشعب لعوامل قيادة مصيره، وقدرته التى لا تحدها حدود على التغيير الخلاق لأسباب سقوطه؟!
لكن المغزى وراء هذا التناقض يكمن فى إيمان إدريس بضرورة التغيير، وفى الإشارة بضياع "فتحية" - بعد تحقق الهاجس الذى راودها طويلا - إلى أن السقوط من حتميات هذا التغيير المنشود للوصول إليه بإرادة واعية. وقد ندرك ما أراده يوسف إدريس إذا تأملنا دلالة تاريخ نشرها فى 15 يناير 1968، أى بعد ستة أشهر فقط من هزيمة يونيو 1967.
إن مغادرة شكل الحياة التقليدية السهلة فى المجتمع القديم (القرية) إلى شكل آخر معقد وزاخر بإمكانات الرخاء المادى والارتقاء الاجتماعى فى المجتمع الجديد (المدينة) يستلزم نوعا من التضحية والتنازل لقبول القواعد المنظمة لهذا الشكل الجديد، يستلزم قبول السقوط مؤقتا حتى يتمالك المجتمع نفسه، ويواصل الصعود لطموحه المشروع.
ليس الوعى الاجتماعى معيارا للفن، ويستطيع الكاتب أن يعبر عن آرائه الاجتماعية والسياسية إذا كان موضوعها هو ما حرك انفعالاته الفنية عند الكتابة، لكن روح الفن تأبى عليه أن يكون داعية، يصنع للمجتمع منهجا تعليميا يقوده للصلاح من وجهة نظره، فدوره هو فتح شرفات متعددة على عوالم مختلفة، أو إمكانات أخرى للحياة وتمكين الناس من رؤيتها باصطحاب أرواحهم إليها فى رحلة سحرية، سيزول السحر قطعا بانتهاء زمن القراءة أو بعده بقليل، لكن الروح التى راحت ليست هى التى تعود، فلو أعانهم الكاتب على أن يجدوا أنفسهم سيصبح بإمكانهم أن يجدوا المجتمع الذى يريدون العيش فيه، وهذا هو المغزى العبقرى فى نداهة إدريس، والمحرك الرائد لجميع العلامات البارزة فى رحلة إبداعه القصصى.
يقول يوسف إدريس على لسان السارد فى قصة (عند تقاطع الطريق) أو (صاحب مصر)– كما فى العنوان المعدل-: "كل نفس كالمحارة مهما انغلقت فهى لا تكف عن إحالة التجربة بالإضافة والإعادة والتعديل الى لؤلؤة، الى ماسة ثمينة من ماسات الخبرة الإنسانية المركزة والمكثفة والمصنوعة داخل تلافيف الحياة"([2])
نستطيع بوضع كلمة (الكتابة) محل كلمة (نفس) أن نقول إن الكتابة كانت بالنسبة الى إدريس كالمحارة النداهة، لا تنغلق أبدا، لا يتوقف نداؤها، ولا تكف عن إحالة التجربة، بالإضافة والإعادة والتعديل، الى لؤلؤة أو ماسة ثمينة من ماسات الخبرة الإنسانية المكثفة فى الإبداع.
نداهة يوسف إدريس إذن هى الكتابة، وقصة النداهة – إن لم نتعسف فى التأويل – هى قصة الوجود الخاص للمبدع ذاته، فى انتظاره المضنى لفتوحات "الجميلة" القصة العفوية الأصيلة، "المصرية" التى يراود بكارة روحها، فتستعصم بتقاليدها، أو حصانتها بعصمة غيره من المبدعين، فإذا باغتها مغتصبا نفرت منه إلى الأبد، حتى لو توهم للحظات امتلاكه جسدها، أو خدع نفسه بأنها – للحظة خاطفة – فتحت له بوابات سحرها.



6- قصص المقالات وحدود التجريب.

كتب الشاعر نجيب سرور إلى يوسف إدريس رسالة يرجوه فيها أن.."يكف عن كتابة المقالات المتسرعة التى يتورط فيها مكرها أو تطوعا فى الكثير من المناسبات وأن يفرغ ما لديه من مشاعر وأفكار فى قصص قصيرة أو طويلة أو فى روايات ومسرحيات، فهذا أجدى كثيرا وأبقى على الزمن مما يكتب من مقالات - فى أية مناسبة ولأى اعتبار - لأنه يتيح للمشاعر والأفكار فرصة النضج، كما يهييء قدرا كبيرا من المراقبة للنفس والفكر والسيطرة على الحرف والكلمة والعبارة! كذلك حتى لا يحشر نفسه وتلامذته وقراءه فيما لا جدوى منه وفيما يستطيعه غيره".([3])
 يستطيع بالطبع من كان يعرف الراحل نجيب سرور أن يتصور طبيعة رد فعله لو شهد وقائع نشر يوسف إدريس لهذه المقالات بوصفها إبداعا خالصا، فى مجموعاته القصصية المنشورة منذ مطلع الثمانينيات، خصوصاً مع تناول عدد من أبرز النقاد لها نقديا باعتبارها قصصا تجريبيا، وتصنيف كربر شويك ود.حمدى السكوت لها ضمن القصص التى نشرت بدوريات، فى الببليوجرافيا التى أعدها كل منهما لأعمال إدريس.
ليس السؤال محاولة لحصر ما لا يحد، لكن.. هل للتجريب حدود؟! متى يجرب الكاتب ولماذا؟!
سيفضل من تقع فى يده نصوص شباب لم يقرؤوا قصصا بغرض معرفة النوع وتاريخ تطوره محليا وعالميا - أن يكون التجريب درجة عليا فى سلم إبداع الكاتب، ومرحلة طبيعية تأتى بعد ممارسات ناجحة، أو خبرة نظرية - على الأقل - بالإطار السائد للنوع. ليس الإنجاز التراكمى من الشكل التقليدى، عند توفر الخبرة النظرية به، شرطاً لازماً لإثبات القدرة المعيارية، وإن كان ضروريا، فى تقديرى، للتفرقة بين التجريب الأصيل والادعاء. فماذا عن تجريب يوسف إدريس فى القصة المقالة؟!
نحتاج للحكم على تجريب إدريس إلى تحديد مفهوم ما للفرق بين الأصالة والادعاء، ولا مفر هنا من عرض مفهومى الخاص، ويحدده الاحتراز التالى: ألا يكون التجريب اضطراريا أو نفعيا.
من المعروف عن إدريس أنه تعرض لأزمة التوقف عن كتابة القصة فى السبعينيات، وأن الكتابة كانت عمله الوحيد ومصدر دخله، بعد أن ترك ممارسة الطب منذ الخمسينيات. ويعنى هذا أنه احتاج للمواءمة بين الموقفين، فتوصل لصيغة كتابية تفى بالغاية النفعية، وتنفى احتمال العجز الإبداعى.
يتجه هذا الاستدلال للحكم بالادعاء، لكن النظر فى القصص المجهولة لإدريس سوف يخفف من تأثيره، فما وصف فى إبداعه بالقصص التجريبى توجد له إرهاصات مبكرة جدا فى نص (تلميذ طب).
يعبر نص (تلميذ طب) عن محاولة قديمة لاختراق النوع القصصى، وتفكيك تماسكه بإدخال عناصر من خارجه عليه. وهو ليس قصة إلا بالمعنى الذى جادل يوسف إدريس كثيرا فى السنوات الأخيرة من عمره، ليقنع الآخرين بقبوله بديلا عن مستوى قصصه المدهشة بمضامينها المتوهجة ومعمارها المحكم الدقيق، إنها القصة المقالة والحكاية والسيرة، يقدم فيها تجارب حقيقية، شخصية أو عامة، بطريقة حكائية لا تختلف كثيرا فى خصائصها السردية عن القصة الفنية الخالصة، غير أنه يكون مباشرا فى عرض القضية
أو المشكلة بأسبابها وظواهرها وأحيانا خيارات حلولها.
لكننا، بعيدا عن الظروف النفسية التى أحاطت بكتابة القصص الأخيرة، سنحاول أن نتأمل الأمر من وجهة نظر تجريبية خالصة، فننظر فى نضج ملامح التجريب الإدريسى بين نصى: تلميذ طب 1954، ويموت الزمار 1981، مع اعتبار الأول نصا تداولياً  pragmatic text  والآخر نصا شبه تداولى.([4])
المقال نص تداولى، يطرح للتداول على نطاق جماهيرى واسع ومتنوع لغاية إشارية حقيقية، حيث يوجد المشار إليه خارج النص، ويسهل التمييز بين قصد الكاتب وتعبيره، ويمكن من ثم تصويب الإشارات الحقيقية فيه، أو التجربة الواقعية بمعرفة المتلقى للحقائق والواقع.
والقصة إنشاء حر غير تداولى، وظيفة اللغة فيها إشارية مزيفة، إذ لا يوجد مشار إليه خارج النص، بل ينتجه النص نفسه باستقلال ينغلق على عالمه، بحيث لا يمكن اقتطاع جزء مما يخصه ونقله إلى السياق العام للمعرفة فى العالم الواقعى، بغية تصويبه باستخدام معلومات مستمدة من ذلك السياق.([5])
أما النص شبه التداولى فلا يحرص كاتبه على تطبيق مفاهيمه النوعية المستقرة، وتتصف ارتباطات المفاهيم فيه بالانفتاح على إمكانات أخرى لتنظيم الخبرة الواقعية وتوصيلها، مما يجعل الإطار الفنى للنص منطويا على وحدة مخصوصة بين العناصر الإشارية والعناصر غير الإشارية.
برزت فى قصص المقالات محاولة إدريس انتهاك حدود الإطار الفنى للقصة، بالتزام الواقعية القصوى أو المحاكاة المطابقة، لتجور تفاصيل الحياة على حدود الفضاء الفنى من غير أن تحطمها تماما، مثلما نجد فى مفتتح قصة (أنا سلطان قانون الوجود) حيث يقول إدريس.. "لا أعتقد أن أحدا – خارج أسرة مدرب الأسود محمد الحلو – قد حزن لمصرعه مثلما حزنت. ذلك أن القدر ليلتها ساقنى لأدخل السيرك، وكانت ليلة الافتتاح، ولا أعرف لماذا؟ ولكنى بعد رؤيتى لعبة الأسود تنبأت أن حادثا جللا لابد سيقع وأن قاهر الأسود محمد الحلو سيصرع على يد أو (ناب) أحد أسوده".([6])
وهذه المحاولة مدفوعة برغبة إنتاج نص شبه تداولى، غايته التقريب بين عالمى التمثيل والواقع، وتحقيق أكبر قدر ممكن من الصدق فى التمثيل، وفى سبيل الصدق لا يبذل الفنان جهده كله، لحماية صوره - التى أصبحت رموزا - من الانزلاق عن قواعدها الجمالية والامتزاج بالحياة، شأنها شأن العناصر الأخرى المماثلة لها.([7])
يطرح إدريس فى نص (تلميذ طب) المفارقة بين آمال دارسى الطب والشائع عن المهنة والأطباء، وحقيقة أوضاع الدراسة البائسة والعمل، الطرح من منظور السخرية الهادفة، للإيحاء بضرورة التغيير، والعلاقة بين الطرح والواقع واضحة، تجبر القاريء على تجاوز حدود النص لعرضه على خبرته، وسد الثغرات المتعمدة، لكن السمة الجوهرية التى صار بها النص تداوليا هى أن الموقف المطروح له نتائج حقيقية قد تقع على الكاتب، ممن تعرض لكشف ممارساتهم السلبية، لذلك وقع إدريس على النص بالحروف الأولى من اسمه.
ويعرض نص (يموت الزمار) تجربة كاتب تعرض لأزمة الشعور بعدم جدوى الكتابة فقرر التوقف عنها، لكنها كانت أساس وجوده ولما نفاها أوشك أن ينفى وجوده ذاته. الحالة المعروضة، بالتفصيل فى النص، إشارية واقعية، فهى من الأمور المعروفة عن يوسف إدريس،([8]) لكن ربط الإشارة إلى المشاهد الحقيقية بالنص القصصى يدمجها فى الإطار الخيالى المغلق للقصة، فكأن إدريس يحول  الحقيقى إلى خيالى بإدراجه فى سياق مؤلف، وهذه مهمة مغايرة لما كان يفعله فى النصوص القصصية غير التداولية، حين كان يجعل الخيالى المبتكر جزءا من خبرة القاريء بالحقيقى.
نحتاج شاهدا آخر على تحول الحقيقى إلى خيالى فى نص محدد نوعيا، ونجده فى أحد الحوارات الصحفية مع إدريس، يقول: "والدى كان عنده قدرة غريبة على رواية الحدوتة والحكاية... إذا شهد فى محكمة مثلا وعاد إلى البيت لا نجلس لتناول الطعام حتى يحكى لنا كل ما شهده فى المحكمة، وكان عند والدى هذه القدرة على الحكاية التى لا أستطيعها رغم كتابتى للقصة".([9])
المشهد نفسه موجود فى قصة (اليد الكبيرة) ونصه: "وطريقته فى الكلام تأسرنا وتخلب ألبابنا. يكون قد ذهب إلى المحكمة مثلا وأدى الشهادة ويقص هذا علينا، ونحب قصته فهو يبدأ من اللحظة التى نريده جميعا أن يبدأ منها ويقص علينا التفاصيل المثيرة الدقيقة ويسرح بنا ويدخل فى حكاية أخرى، ولا نحس أن حكاية بدأت وأخرى قد انتهت، إنما نحس أننا سعداء وأننا نحب أبانا ونعبده".([10])
الفرق فى القصة، أنه تم توصيف قدرة الأب على الحكى، بالبدء من نقطة مهمة، والعناية بالتفاصيل المثيرة وتداخل الحكايات بسلاسة. وهو توصيف فنى دقيق، وغير لازم للنص الخيالى، بل يحتاجه النص الواقعى، مع ذلك الاعتراف "المتواضع" من الكاتب بالعجز عن مشابهته، وحاجة قاريء الحوار، بالتالى، لمعرفة جوانب النقص. ولا يعنى هذا التبادل بين ضرورات النصين المتوقعة سوى اتحاد موقعى الحقيقة والخيال فى مفهوم إدريس لهما.
يستخدم إدريس فى نص (يموت الزمار) بضع بنيات توثيقية وسياسات سردية ماكرة، توجه القاريء إلى تجاوز حدود النص عند قراءته فى صحيفة بطريقة مختلفة عن نمط التوجيه اللازم عند قراءة النص نفسه فى كتاب يحتوى على قصص غير تداولية، فالنص فى الصحيفة غير مسبوق بالإشارة المعتادة إلى كونه قصة قصيرة، أو قصة مصرية، والمفتتح يحث القاريء على تحويل القصة إلى وهم الواقع، والاقتناع بأن الصوت السارد فيها يشير إلى شخص واقعى متعين لا شخصية قصصية متخيلة..
"تقريبا كل ما كتبته من قصص ونسبته إلى نفسى أو قمت فيه بدور الراوى، كانت كلها أبدا لم تقع لى، إلا هذه القصة فأنا فعلا فيها الراوى وما حدث فيها حدث لى. ولقد حاولت المستحيل لكى لا أكون أنا أنا أو لكى يكون الحادث وقع لغيرى، وكان ممكنا أن تكون أروع وأكثر إمتاعا ولكنى بينى وبين نفسى كنت أحس أنى سأكذب بالضبط مثلما كنت حين أتقمص أنا شخص الراوى فى قصص أخرى، معظمها أبدا لم يحدث لى، كنت أحس أنى أكثر صدقا مع الآخرين ومع ذاتى.
إنها إذن قصة خاصة جدا، أعرف أن كثيرين سيهزون أكتافهم حيالها ويقولون:
ومالنا ولهذا القول الذاتى الخاص، ولكن، من يدرى، ربما لن أعدم واحدا يحس ذاته تماما وهو يرانى أتحدث عن ذاتى"([11])
النص طارد للاهتمام ببنيته اللغوية، ولا تؤول أدبيته إلى فنية نوعية عدا الحكاية الحرة([12])، والسمة الغالبة عليه هى الاستطراد، حتى فى أشد اللحظات إثارة، كلحظة فحص السارد طبيا بعد إصابته بالجلطة..
"وكان لابد من إعادة الفحص. وأوضع من جديد تحت شقى الرحى ولكن أى رحى أية غرفة تلك التى أنا فيها؟ حين تخرجت من كلية الطب كانت الآلة الهندسية الوحيدة التى نعرفها هى جهاز أشعة اكس وجهاز إصدار الأشعة فوق البنفسجية. ما أراه طب مختلف تماما وفرع جديد اسمه الهندسة الطبية يتطور بسرعة الصاروخ... إلخ".
سيخرج قارئ نص (يموت الزمار) فى الصحيفة بنتيجة كلية هى أن الحالة المعروضة تخص يوسف إدريس نفسه، ويفترض قبول الكلى قبول ما يندرج تحته من جزيئات، مثل أن التوقف عن الكتابة مثلا كان قرارا اختياريا بإرادة تامة لا عجزا كما يصوره الشامتون.
وهى النتيجة نفسها التى سيخرج بها قارئ النص فى كتاب بين سياق من القصص المتخيلة، لكن عبر طريق مختلف، فعدم الإشارة إلى نوع النص أو أسبقية نشره فى صحيفة، يوجه القارئ تلقائيا لاستقباله بوصفه قصة متخيلة يستخدم كاتبها إجراءات نصية متطورة، كإسقاط الحاجز المفترض بين الكاتب والقارئ، وتداخل الخبرات الواقعية مع الفنية فى نص أيقونى، يحاكى ما هو خارجى ويجسد خصائصه مثلما تجسد اللوحة المرسومة لإنسان ملامحه.
نفى إدريس وجود مرحلة  (الحمل بالفكرة) فى مراحل العملية الإبداعية عنده، لكنه نفاها اسما فحسب لا معنى،لأن كمون الفكرة فى وعيه ثم نشاطها، أو تنشيطها، بعد سنوات لا يعنى سوى اشتغال العقل على هذه الفكرة فى الخفاء. ويترتب على هذا الاشتغال اختلاف النص الإبداعى عن المثير الحقيقى، إما فى جوهره وإما فى شكله، وقد يختلف الشكل والجوهر معا، ولا نستطيع تحديد حجم هذا الاختلاف وقيمته إلا إذا قمنا بالموازنة بين أصل المثير الحقيقى كما دونه الكاتب، والقصة التى تولدت عنه.
منحنا يوسف إدريس هذه الفرصة النادرة لإجراء الموازنة حين كتب فى عمود (يوميات) بجريدة الشعب (13 يوليو 1959 ص5) عن واقعة حقيقية شهدها، ثم حولها إلى قصة قصيرة بعد ست سنوات ونشرها بعنوان (قصة مصرية جدا) وهى من القصص التى لم تنشر فى أية مجموعة، وسبقت فى فصل (القصص المجهولة)، لذلك سأكتفى هنا بإثبات نص اليوميات.
«هذه الواقعة شاهدتها بعينى. كنت فى الأتوبيس حين صعدت راكبة جديدة إلى العربة من باب الدرجة الأولى. وكان واضحا أن الصاعدة ليست من راكبات الدرجة الأولى، فقد كانت ترتدى جلبابا اسود طويلا وتلفع طفلا على كتفها بينما طفل آخر ممسك بكلتا يديه بذيل ثوبها وكأنه لو تركه سيموت. صعدت المرأة، وظلت تزق تنزق وتدفع وتتدافع بينما طفلها راكب الكتف يصرخ، وطفلها المستميت على الثوب يسبها ويلعن أياها ويبكى، حتى بلغت منتصف الدرجة الأولى ثم لم تستطع بعد هذا حراكا. والعادة جرت أن ركاب الدرجة الأولى ما يقادون يضبطون واقعة كهذه حتى تتنبه فيهم غريزة الكمسارية الطبقية فيتطوع أكثر من واحد منهم بقوله دى درجة أولى ياست خشى جوه..
ولكن أحدا لم يقل لها هذا لا لان الراكبة الصاعدة كانت جميلة او ذات سمنه أو مؤهلات أخرى، فقد كانت عادية جدا لا يميزها عن غيرها من مرتديات السواد، ولافعات الأطفال إلا أن انفها – دونا عن بقية وجهها كان احمر شديد الحمرة – هكذا لله فى لله وكأنما ولدت به مسلوخا ربما لم يقل لها أحد شيئا لأنهم أحسوا أنها هى الأخرى مضطربة وشاعرة بالذنب لوجودها فى درجة غير درجتها، أو لعل السبب انهم تركوا مهمة تنبيهها للكمسارى الحقيقى حين يجئ..
وجاء الكمسارى أو بالأصح نفذ فجأة من بين أجساد الركاب المتلاحمة مع انه كان تخينا اصلع يرتدى بيريه. وما كاد يلتقط أنفاسه ويلم نفسه ويزيل عن وجهه قرف الدرجة الثانية ليطليه بابتسامة تليق بالدرجة الأولى حتى تنبه إلى وجود المرأة. والعجيب أنه لم يفتح لها محضرا كالعادة ويأمرها قبل أى شئ بمغادرة البريمو والذهاب إلى السكندو كل ما حدث أنه دق على لوحته الخشبية مرة ثانية. وقال: تذاكر. وتوجه بالكلمة إلى المرأة دون غيرها من الركاب، بل قبل أى من الركاب وكانت هى الأخرى تتوقع هذا فقد فردت كفها اليمنى المطبقة على شئ ومدتها إليه. ودون أن يلتقط ما فى يدها او يتفحصه عرف الكمسارى انه نصف قرش، وعرف أنها تريد تذكرة درجة ثانية، وعرف أيضا أن لابد من قرش كامل ليقطع لها التذكرة وأن عليه أن يتقاضى عن فارق الدرجتين. عرف كل هذا بلمحة عبقرية خاطفة. وكذلك عرفه ركاب الدرجة حتى دون أن يلتفتوا. بل المرأة هى الأخرى عرفته. وقبل أن يتكلم أحد قالت بلهجة صادقة ليست فيها شائبة كذب واحدة: والنبى ياخويا ما معايا غيره. ولوى الكمسارى رقبته اشمئناطا كالمحاضر الذى فلق رأسه طوال اليوم بل طوال العمر، يعيد نفس الدرس وقال: يا ستى عايزين تعريفه كمان. ولوى ركاب الدرجة الأولى رقابتهم هم الآخرون، واستعدوا للجدل السخيف الذى لابد أن ينشأ خاصة وأن الأتوبيس كان لا يزال واقفا فى المحطة لم يتحرك بعد، والكمسارى قد وضع الصفارة على فمه استعدادا لصفارة طويلة يأمر بها السائق ألا يتحرك، ومن يدرى، قد يؤدى الأمر إلى الذهاب إلى القسم وضياع ساعات.
ولكن المرأة لم تجادل أو تحاور، بل حتى لم تنظر هنا وهناك لتتعرض ركاب الدرجة الأولى الأفندية وتنتقى أحدهم. فعلت شيئا لا يمكن أن يحدث إلا فى مصر. مدت كفها المفتوحة بالنصف قرش إلى الأفندى الواقف بجوارها مباشرة، فعلت هذا من سكات، ودون أن تتكلم أو تطلب، مدتها هكذا وفى ملامحها ثقة ما بعدها ثقة انه لن يخذلها وكأنها تعرفه من سنين، أو كأنها ركبت العربة معه. ثقة لا يفترض الإنسان وجودها إلا فى أخ أو صديق.
ومن سكات أيضا، وبلا أى دهشة أو استنكار، وكأنه فعلا أخ أو صديق مد الرجل أصابعه فى جيب سترته الشار كسكين الناصعة البياض واستخرج نصف قرش، ووضعه بكل بساطة فى الكف الممدودة المفتوحة. وببساطة أيضا انتقلت الكف من قرب الأفندى إلى قرب الكمسارى.. وتناول الكمسارى القرش، وقطع التذكرة، وصفر وتحركت العربة».
*** *** ***


اليوميات مرحلة أولى فى كتابة السيرة الذاتية، حيث يقوم الكاتب بتسجيل تاريخ اليوم وأبرز ما وقع فيه من أحداث، بدون تعليق عادة، لحفظها من النسيان والاستعانة بها بعد ذلك فى المرحلة الثانية، وهى المذكرات حيث تمتد مساحة الكتابة بنقد الأحداث، ورصد دور الأفعال والأحاسيس، ثم تأتى المرحلة الأخيرة، وهى السيرة، وفيها يربط الكاتب بين ماضيه وحاضره بنظرة كلية واعية راصدا الدوافع والأهداف، ومحللا السلوك والمشاعر والأفكار، لتقييم تجربته الشخصية والخروج منها بدلالات إنسانية.
الكاتب فى اليوميات الشخصية هو البطل الفاعل، وجهة نظره هى الغالبة، اللغة غير مدققة، والأسلوب مختزل وعار من النضج والجمال غالبا. السرد من الخارج لا ينفذ إلى وعى الشخصيات المذكورة أو وعى الكاتب نفسه، والتحديد الزمنى حاضر دائما.
تختلف اليوميات الصحفية عن اليوميات الشخصية فى أن الأولى متقطعة، غير متواصلة حتى لو كان للكاتب عمود ثابت فى الصحيفة. وتكتب اليوميات الصحفية لغاية موضوعية وتوجه لقارئ عام، لذلك يركز الكاتب فيها على فكرة واحدة، مشهودة أو منقولة، يعرضها بلغة سليمة وأسلوب واضح. وتخضع دائما لانتقائية يحكمها شكل، وحجم، تفاعل الكاتب مع مجتمعه وعصره.
الواقعة التى قدمها يوسف إدريس لقراء "الشعب" حقيقية، شهدها بنفسه، والفكرة فيها غياب الوعى عموما، والوعى الطبقى خصوصا، من وجهة نظر كاتب تقدمى. فالمرأة الفقيرة جاهلة تنوء بالأعباء، ولا تحسن حتى المهمة الرئيسية التى تقوم بها، مادامت قد أساءت تربية الطفل الذى "يسبها ويلعن أباها".
وهى تقدم على الفعل دون تبرير، ولا تسأل عما لا تعرفه، تتصرف ببلادة محيرة، وتختار حلا للمشكلة ينم عن عدم وعيها وكسلها، إلى حد تفضيل امتهان كرامتها وإحراج الآخرين على السير بضع خطوات إلى الدرجة الثانية فى العربة. يقهر الكمسارى فى اليوميات أهل "السكندو" ولو بالتأفف والضجر، ويتملق من فى "البريمو".
وركاب الدرجة الأولى "الأفندية" شامخون بطبقتهم، لكنهم لا يعترضون على وجود المرأة، ربما لإحداث التمايز الطبقى اللازم لإرضاء تشامخهم، ومع ذلك فليسوا سواء، إذ لن تعدم بينهم المتعاطف مع بؤس الآخرين، والسلبى غير المبالى، والعابث الساخر، والمهذب المشفق الذى لا يرد سائلا.
تتداخل السيرة الذاتية، إذا كتبت بشيء من الحرفية، مع نوع الرواية فهل نستطيع القول بالمقابل إن اليوميات تتداخل مع نوع القصة؟ قد يستخدم الكاتب اليوميات الشخصية فى الرواية لغاية تقنية، لكن القصة فى تقديرى لا تحتملها، فمنطق السرد فى النوعين يختلف، والفكرة نفسها تحتاج إلى تطوير إذا أراد الكاتب تحويل اليوميات الصحفية إلى قصص، مثلما فعل يوسف إدريس.
حذف إدريس من نص اليوميات صيغة تأكيد رؤيته للواقعة، وصوته السارد بالضمير الأول، أى قطع النص عن شخصيته، وصدره لسارد افتراضى سيدرك القارئ تلقائيا أنه أحد ركاب الدرجة الأولى، وأنه يجلس فى موقع يمكنه من رؤية كل العربة بوضوح، ولديه من الفضول ما يغريه بالمتابعة الدقيقة لكل ما يحدث.
حذف أيضا ما أوحى بتصور سلبى عن شخصية الكمسارى، وأضاف ما يوحى فى القصة بصفات المرح الطبيعى، وخفة الظل التى تيسر له كل صعب، ثم حذف فى النهاية ما ينم عن عفوية مساعدة الرجل للمرأة وبساطتها، وأضاف ما يوحى بدلالة هذه المساعدة على الخلق الطيب والسلوك اللائق.
نستطيع أن نستكشف ما أصاب الفكرة من اختلاف إذا تأملنا حالة العربة عند صعود المرأة فى النصين، ففى اليوميات كانت العربة واقفة، لم تتحرك من المحطة بعد، وفى نهاية الواقعة تحركت، بعد أن عرفت المرأة ما يكلفها انتقالها من "درجتها" وعرف الركاب أنهم لابد أن يتعاونوا إذا أرادوا ألا يتعطلوا.
وفى القصة تحركت العربة، وتوقفت فى الطريق لتصعد المرأة، ثم نشأ نتيجة وجودها فى غير مكانها المناسب لإمكاناتها – تهديد بتوقف العربة، وضياع وقت الركاب وراحة نفوسهم، لو استمروا جميعا لا يعترضون على الخطأ جهرا، أو لا يتجاوزون التعاطف الصامت بالمساعدة العملية. ولما استجاب واحد منهم للطلب متفهما الموقف كله زال التهديد، واستمرت العربة متحركة.
يطرح إدريس فى هذه القصة فكرة عدم التحديد الطبقى فى العربة / المجتمع من منظور مركب، فهو فى النص مع ضرورة التحديد، نظرا لما يترتب عليه من انتماء موجه لنفع الطبقة الخاصة، وعدم انفصال بين الطموح والواقع. وفى الوقت نفسه لا يعترض على الحركة بين الطبقات أو مغادرتها، لكنه يشترط امتلاك مقومات هذا التحرك أولا.
الركاب ليسوا سواسية، أخلاقيا وماديا، هذه حقيقة اجتماعية، لكن ذلك ليس مبررا لإيقاف العربة والإضرار بمصالح الجميع، إنما ما يحتاجه المجتمع حقا هو انسجام بين المتعدد، ووحدة تستوعب التعدد ذاته. ليس الاختلاف فى الفكرة بين النصين إذن جوهريا، وعلى المستوى الظاهر مازال الأسلوب يحتاج إلى تعديل إضافى، وسبب ذلك فى تقديرى أن إدريس لم يكن يحول نصا واقعيا الى نص خيالى، بل يعدل نصا خياليا كتبه فى اليوميات بقلم قصصى.
لا يعتبر إدريس - فى إحدى إفاداته المحيرة عن الكتابة - ما يكتبه قصصا، إنها كما يقول رؤى: " تخطر لى، وليس لى إلا فضل تسجيلها. بل إنى لأعجب أحيانا حين يطلقون على ما أكتبه عنوان "قصة" إذ إنى لا زلت للآن لا أعرف ما هى القصة. صحيح: ما هى القصة؟ إنها ليست أبدا الحكاية، ولا القصيدة، ولا المغزى، ولا موسيقى النثر، ولا لوحة ألوانها الكلمات. إنى ربما أكتب كمحاولة منى لأن أعرف فى كل مرة بالضبط. ما هى القصة؟".([13])
ربما لذلك، وبسبب تلك الحيرة فى الإمساك بمفهوم ثابت للقصة، نجد - بتأمل بعض اللزوميات فى أسلوبه الفنى - أنه يعتبر القصة حكاية ومسألة وأحداثا مروية ولوحة سردية، باتساق مع تصوره الخاص، وطموحه لكتابة قصة مصرية، وهذا هو الإطار الذى ينبغى التعامل مع قصصه فى حدوده، مع تقدير تفاوت القيمة الفنية لهذه القصص على مدى تاريخه الإبداعى الطويل، وعدم الثقة فى تواريخ نشرها، أو الاعتماد على هذه التواريخ لاستخلاص نتائج نقدية تتصل باتجاهات إبداعه ومراحل تطوره. 
تبدو مسألة التطور مناسبة للعلوم الطبيعية أو الظواهر العلمية أكثر من الأدب، إذ إن نماذجه الكبرى تتشابه، وتمثل وحداته غالبا نقاطا متباعدة ليست على خط واحد منتظم، من هنا يمكن النظر إلى مقولة التطور حيثما وردت فى سياق نقدى باعتبارها مؤشرا على لون من التغير فحسب، قد يكون ارتقاء وقد يكون انحدارا، وتحديد حجم هذا التغير ونوعه هو ما ينأى بالتاريخ الأدبى عن أن يكون توثيقا جافا وبالناقد عن أن يكون مؤرخا، لأن هذا الجانب لا يمكن التجرد فيه من سمات التذوق الشخصى، المسبقات الثقافية، والمسالك الفكرية والنفسية المطروقة، إذا أردنا رصد التغيرات الدقيقة للقدرة الاستيعابية والدلالية فى النصوص.



7- بداية أخرى

أن نضبط العبقرى - بتعبير يوسف إدريس نفسه - فى موقف لا يقفه إلا الأغبياء - أو غير المخلصين - مسألة لا تدفع للاعتقاد بأنه أخطأ كما يخطئ غيره من الناس، ولكنها تفسر على أنه يفعل هذا عن عمد، وأن وراء الظاهر هدفا ذكيا خبيثا.([14]) وهذا ما يؤكد أن وراء هذه الارتباكات المتعددة فى النشر سببا يفوق الأسباب السياسية والاجتماعية الدينية أو الاقتصادية، إنه سبب يتعلق بقيمة وجوده الفنى والإنسانى كما تصورها، وكما حاول الدفاع عنها والإبقاء عليها حتى النهاية، من جانب، وبخصائص العملية الإبداعية لديه من جانب آخر.
حصر يوسف إدريس قيمة وجوده فى كونه كاتبا، وكاتبا للقصة بالتحديد، فالقصة عنده.. "بُعد من أبعاد الأشياء والكائنات" مثلها مثل الحجم والكتلة والمسافة والزمن، وغياب بعد من هذه الأبعاد لا يؤدى إلى نقص معرفتنا بالشىء فحسب "إنما يلغى الشىء كله من الوجود"([15])
إنها فى تصور إدريس البعد الخامس للإنسان، البعد الذى لا يكون الإنسان إنسانا إلا به، ومن هنا كان اكتشاف الكاتب - أى كاتب - القانون القصصى الخاص به معادلا لاكتشاف قانون الوجود.
نستطيع أن نقدر - مع هذه القيمة الحيوية للقصة والكتابة - حجم الأزمة التى عانى يوسف إدريس منها فى شيخوخته، ونستطيع أن نفهم سر هذا التعلق الدائم بقصصه والاشتغال المتواصل عليها، فقد كان حريصا على أن يثبت للآخرين، المتربصين به خاصة، أنه لم ينته، وأنه مازال يوسف إدريس، الخامس من أعلام القصة فى العالم، بعد بوكاشيو، جى دى موباسان، أدجار آلان بو، وتشيكوف.([16])
كان يدافع - بطريقته المبتكرة - عن وجوده، ويمنع عنه ما تصور أنه خطر الفناء، ربما لذلك كان يحلم باليوم الذى لا تكون الكتابة فيه طلبا لخلود الكاتب، بل سعيا لخلود القيم والإنسان.. "إنى أتمنى أن استمر فى امتلاك القدرة على أن أحلم، فلقد قضيت الحياة منذ طفولتى ومتعتى ليس أن أحياها، إنما أن أحلم بحياة أمتع، وربما كتبت لكى أحرك فى الآخرين القدرة على أن يحلموا هم أيضا أحلامهم الخاصة، فالإنسان بلا أحلام فى رأى كائن أعمى، الحلم هو الأمل المبصر المستشرف، هو قدرته على أن يرى إلى الأمام وأن يجمع الماضى والحاضر والمستقبل، فى نقطة لقاء وهمى، هى الفن.. هى الجزء الثمين المتمرد فى كل البشر، إن بعضنا يكتب لأنه يريد أن يكون كاتبا كسارتر وهيمنجواى، وبعضنا يفضل أن يكتب للمسرح ليكون كشكسبير.. إنى أحلم أن نصل إلى اليوم الذى نكتب فيه لأننا نحب شعبنا، ونحبه أن يكون أكثر الشعوب أدبا وذوقا وأخصبها إنسانية، نكتب بدافع من واجب ملح نحسه إزاء مواطنينا ولا نملك إلا أداءه، نكتب لا لأننا نريد الخلود لأنفسنا، إنما لأننا نريد الخلود لإنساننا وقيمنا، لأننا نريد أن نصنع فى بلادنا حضارة ليست انعكاسا للحضارة الأوروبية، ولكن حضارة نابعة منا، حضارة من خلقنا وفكرنا، نثرى بها حضارة عالمنا ونضيف إليها".([17])
إبداع يوسف إدريس شديد الارتباط بخصائص المجتمع المصرى فى النصف الأخير من القرن الماضى من جانب، وبخصائصه النفسية الذهنية من جانب آخر، ويمكن بتأمل تاريخ المجتمع والتاريخ الشخصى للمبدع تفسير كثير من فنية هذا الإبداع وفلسفته، لكن ذلك ليس مبررا لتقييم إنجاز إدريس وفقا لسلوكه الفردى، فتقديرنا للكاتب مختلف عن تقديرنا للإنسان.
ربما يشعر كثيرون الآن بالاستياء من تناول التكوين الأدبي للمبدعين، هذا الحقل المرشح لأن يشغل النقاد لسنوات قادمة، بمظنة أن جوانبه- ما دام الكاتب قد أخفاها- شخصية، لكن نمط الاستجابة التي قوبلت بها دراسات "ما قبل" نصوص فلوبير، زولا، ستيندال، بروست، جويس، وبالمثل انتشار المؤتمرات والمطبوعات ذات العلاقة، منذ سبعينيات القرن الماضي في أوروبا- يؤكد أن العمل على المخطوطات الأدبية الحديثة جدير باهتمام القراء وفضاء جذاب للبحث النقدي.
لقد رحل يوسف إدريس الإنسان، وبقى منجزه الثقافى لمتلقيه ونقاده، ولتاريخ الأدب الذى يعيد تنظيم الماضى ويعلله، ويصل رحم النص بمبدعه، وبالسياقات المختلفة التى أثرت فى كليهما.


8 ــ ببليوجرافيا قصص يوسف إدريس

أولاً: قصص منشورة فى مجموعات([18]).
1- مجموعة أرخص ليالى 1954
م1
م2
القـصـة
بيانات النشر
1
1
5 ساعات
التحرير أكتوبر 1952
2
2
المرجيحة
روز اليوسف 17 نوفمبر 1952
3
3
نظرة
المصرى، 1 يناير 1953
4
4
ع الماشى
روز اليوسف 1 مارس 1954
5
5
أرخص ليالى
المصرى، 14 مارس 1953
6
6
على أسيوط
المصرى، 21 مارس 1953
7
7
أم الدنيا
روز اليوسف 4 أبريل 1954([19])
8
8
رهان
المصرى 11 أبريل 1953

9
9
الشهادة
المصرى، 18 أبريل 1953([20])
10
10
الأمنية
المصرى 3 مايو 1953
11
11
الهجانة
المصرى 17 مايو 1953
12
12
المكنة
المصرى، 26 مايو 1953 بعنوان (فراق)
13
13
مشوار
المصرى، 7 يونيو 1953
14
14
1/4 حوض
المصرى، 10 يوليو 1953
15
15
شغلانة
المصرى، 9 أغسطس 1953
16
16
بصرة
المصرى، 30 أغسطس 1953
17
17
مظلوم
المصرى، 6 سبتمبر 1953 بعنوان (إدمان)
18
18
الحادث
روز اليوسف 14 ديسمبر 1953
19
19
فى الليل
روز اليوسف 8 فبراير 1954 بعنوان (الليل)([21])
20
20
أبو سيد
المجموعة
21
21
المأتم
المجموعة
2 - مجموعة جمهورية فرحات
م1
م2
القـصـة
بيانات النشر
22
1
جمهورية فرحات
روز اليوسف 17 مايو 1954
23
2
الطابور
المجموعة
24
3
رمضان([22])
المجموعة

3 - مجموعة أليس كذلك 1957
م1
م2
القـصـة
بيانات النشر
25
1
الحالة الرابعة
المصرى، 8 مايو 1953
26
2
المحفظة
صباح الخير، 29 مارس 1956
27
3
داوود
صباح الخير، 10 مايو 1956
28
4
التمرين الأول
روز اليوسف 25 يونيو 1956
29
5
الوجه الآخر
الجمهورية، 9 فبراير 1957 بعنوان (وجه جديد)
30
6
مارش الغروب
الهدف، أغسطس 1956 بعنوان (لحن الغروب)
31
7
أليس كذلك
الشعب، 31 أغسطس 1956
32
8
ليلة صيف
الجهورية، 25 يونيو 1956
33
9
المستحيل
الجمهورية، 2 مارس 1957
34
10
الناس
الهدف، مايو 1957
35
11
الكنز
المجموعة

4- مجموعة قاع المدينة 1957
م1
م2
القـصـة
بيانات النشر
36
1
أبو الهول
صباح الخير 23 فبراير 1956
37
2
هى.. هى لعبة
المساء 16 نوفمبر 1956
38
3
الجرح
الجمهورية، 24 يناير 1957([23])

5- مجموعة حادثة شرف 1958
م1
م2
القـصـة
بيانات النشر
39
1
شيخوخة بدون جنون
الجمهورية، 7 يوليو 1957
40
2
طبلية من السماء
الجمهورية، 4 ديسمبر 1957
41
3
اليد الكبيرة
الجمهورية، 8 يناير 1958 بعنوان (ما أبشع هذا)
42
4
محطة
صباح الخير 27 مارس 1958
43
5
تحويد العروسة
صباح الخير، 3 يوليو 1958
44
6
حادثة شرف
صباح الخير، 7 أغسطس 1958([24])
6- مجموعة آخر الدنيا 1961
م1
م2
القـصـة
بيانات النشر
45
1
أ الأحرار
صباح الخير، 30 يوليو 1959([25])
46
2
أحمد المجلس البلدى
الجمهورية، 6 فبراير 1960
47
3
آخر الدنيا
الجمهورية، 18 سبتمبر 1960([26])
48
4
الستارة([27])
الجمهورية، 18 نوفمبر 1960 بعنوان (آخر من يعلم)([28])
49
5
لعبة البيت
المجموعة، ثم فى مجلة الشرقية مايو 1974 بعنوان اللعبة الخالدة، ثم مجلة حواء 3 فبراير 1979 بعنوان الخناقة الأولى.


(1)            سليمان فياض، مجلة البوليس، الأحد 2 نوفمبر 1958، ثم نشرت فى مجموعة عطشان يا صبايا، مختارات فصول (52)، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1986.
(2)            مجموعة لغة الآى آى، دار مصر للطباعة، القاهرة، د.ت ص 141.
(3)      انظر: فارس على حصان من خشب (فى رسالة إلى يوسف إدريس)، مجلة الفكر المعاصر، مايو 1979، و"فارس على حصان من خشب " عنوان مجموعة قصصية لعبده جبير، يقدمها نجيب سرور فى الرسالة ـ مع كثير من التلميحات الشخصية والثقافية ـ إلى يوسف إدريس باعتبار جبير واحدا " من كثير من الموهوبين الشباب يتنفس بصعوبة فى مناخنا الثقافى وفى ظل غيبة النقد وتجاهل أجهزة الإعلام ".
(4)      المستوى التداولى أحد الظواهر السيميائية، وتدرس فيه العلاقة بين النص والجمهور الذى يتوجه إليه " ويمكن القول إن البنية التأليفية للعمل الأدبى تتنبأ ببعض استجابات القاريء على نحو يجعل المؤلف يدخل فى حساباته ردود الأفعال هذه، ويبدو كما لو أنه يبرمج هذه الاستجابات المختلفة " انظر: بوريس أوسبنسكى، شعرية التأليف " بنية النص الفنى وأنماط الشكل التأليفى، ترجمة سعيد الغانمى وناصر حلاوى، المجلس الأعلى للثقافة، المشروع القومى للترجمة (79)، 1999، ص 138.
(5)            انظر: كارلهاينز ستيرل، قراءة النصوص القصصية، ترجمة نشوى ماهر، مجلة فصول، الهيئة المصرية العامة للكتاب، مجلد 12 العدد الثانى 1993، ص 47 وما بعدها.
(6)            مجموعة (أنا سلطان قانون الوجود)، مكتبة مصر، القاهرة، د.ت، ص 5.
(7)            انظر: شعرية التأليف، ص 150- 151.
(8)            التوقف عن الكتابة، والأزمة الصحية التى تعرض لها فى عام 1981.
(9)            انظر: محمد سعيد، حوار مساحته الزمنية ربع قرن مع يوسف إدريس، مجلة الهلال، أغسطس 1979، ص 38.
(10)        مجموعة حادثة شرف، ص 57.
(11)        يموت الزمار، سابق.
(12)        استخدم مصطلح الحكاية بما يوحى به من شفاهية وارتجال وتقليد، للتعبير عن القص المتخفف من العاطفة والفكر المتعمق، والمحتفى إلى أقصى حد بالتتابع الزمنى.
(13)        مواقف ثقافية، ص 469، 470.
(14)        انظر: رواية البيضاء، مكتبة مصر، القاهرة، د.ت، ص 263.
(15)        القصة وأنا أو قصتى أنا، مقال بمجلة الآداب 1973، نقلا عن د. ناجى نجيب، الحلم والحياة فى صحبة يوسف إدريس، سابق، ص 36 وما بعدها.
(16)        قال يوسف إدريس فى حديثه مع رشاد كامل، سابق، إن أحد الباحثين الروس قدم رسالة دكتوراه إلى جامعة ليننجراد يؤكد فيها هذا المعنى.
(17)        مجلة حوار، نقلا عن د. ناجى نجيب، سابق، ص 140.
(18)       يوجد عدد من القصص لم ينشر بالصحف بسبب مضمونه الخلافى، ونشر للمرة الأولى مباشرة فى المجموعة، مثل: رمضان، بيت من لحم، أكان لابد يا لى لى أن تضيئى النور. انظر: مارينا ستاج، حدود حرية التعبير، دار شرقيات، 1995، ص 228.
(19)        فى ببليوجرافيا أدب ونقد خطأ أنها نشرت فى 5 أبريل 1954.
(20)        تاريخ النشر فى ببليوجرافيا أدب ونقد 3 مارس 1953،ولم أستطع التحقق من صحة أيهما لضياع أعداد بعض الشهور من عام 1953 من صحيفة المصرى .
(21)        قصة (صدقة) غير مدرجة فى طبعة دار مصر، ونشرت للمرة الأولى فى مجلة القصة عدد 20 أكتوبر 1950.
(22)        إضافة إلى رواية قصة حب.
(23)        إضافة إلى رواية قاع المدينة.
(24)        إضافة إلى رواية سره الباتع التى نشرت مسلسلة فى الجمهورية 19، 20، 26 مارس 1958 بعنوان قبر السلطان.
(25)        تاريخ النشر فى ببليوجرافيا شويك 30 نوفمبر 1959 وهو خطأ، وفيها أن أ الأحرار هى نفسها قصة الرأس وهو خطأ أيضاً.
(26)        فى ببليوجرافيا أدب ونقد أنها نشرت بتاريخ 17 سبتمبر 1960،ولم أستطع التحقق من صحة أيهما لوجود الدورية فى قسم الترميم.
(27)        فى ببليوجرافيا شويك خطأ أنها نشرت بتاريخ 19 نوفمبر 1960.
(28)        إضافة إلى رواية الغريب.