‏إظهار الرسائل ذات التسميات مسرح د/ ملحة عبد الله. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مسرح د/ ملحة عبد الله. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 28 ديسمبر 2012

أيديولوجيا بلا عنوان للمبدعة : ملحة عبدالله



لماذا يتلاشى الإنسان بدواخلنا وينبري الحوار في ثقافتنا هذه الأيام ليعتلي صهوة الأنا وإقصاء الآخر في دوغماتية فظة وفجة، وخاصة على شاشات القنوات الفضائية؟
حينما تتعالى الأصوات ويسود الضجيج تفقد الأذن قدرتها وتتحول إلى كؤوس فارغة يملؤها الصدأ، فالآنية الفارغة تملأ الدنيا ضجيجا بطبيعة الحال كما قال الفيلسوف اليوناني سقراط. ولأن الله ـ سبحانه وتعالى ـ قد جعل للإنسان أذنين اثنتين ولسانا واحدا، فذاك لأمرين هامين يجب التنبيه إليهما. أولهما التأكيد على أهمية الإنصات ورفعة وعلو شأنه في جميع مجريات حياة الفرد منا، وثانيهما هو أن ينصت الفرد ضعف ما يتكلم. هذا وقد صُنف الإنسان العربي بأنه ذو ثقافة قولية، وردَّ ذلك إلى علو الصوت العربي وفصاحته وبلاغته في الشعر والخطابة وسرعة البديهة وحسن الاستماع، هذا في العمق، أما ما يطفو على السطح فسوف نخرج بمفهوم آخر لهذا التصنيف إذا ما اعتبرناه انعكاسا للحظة وللواقع المعاش، وهو كثرة الضجيج وقلة الإنصات. وما اضطرني إلى هذه التخريجة هو ما يسود الساحات العربية بثقافتها وبإعلامها ومثقفيها ومتلقيها من اختلال الميزان بين السكون والحركة، وبين الضجيج والهدوء، وبين الصمت والكلام، حتى أصبحت القنوات العربية تضع أمامنا أنموذجا خارقا لتلك السِّمَة العربية الضاربة في عمق التاريخ والمتمتعة بالهيبة والوقار وحسن الكلام، في نوع مستحدث اتخذ فيما بعد أنموذجا أخشى أن نورثه إن لم نكن قد فعلنا ذلك، ألا وهو (اللغظ والخوض)، أي أن تتحدث مجموعة في اللحظة نفسها وفي الآن نفسه، حتى تحولت الآذان إلى كؤوس فارغة، والآنية الفارغة لا تحدث إلا رنينا لا يجر وراءه سوى الشعور بالصداع وبالغثيان. فكما أننا قد بنينا ثقافتنا على القول (الأدب القولي) ففي زماننا هذا توجب علينا أن نؤسس مجددا لما أطلق عليه أدب الصمت، أو حسن الإنصات. 
للصمت فلسفة قامت عليها بعض الحضارات مثل فلسفة التاو (الصينية) التي أسس لها الحكيم (لاوتسو) في كتابه "تاو تي تشينج"، فيقول: "على الحكيم أولاً تقويم ذاته والتوصل إلى حالة السكينة الداخلية التي تجعله مسيطراً على نفسه". ثم يقول (تشوانج تزو) تلميذ المعلم وشارحه: "عندما يكون الماء ساكناً يغدو كمرآة. إنه يعكس أدق تفاصيل الوجه المنعكس عليه، ويعطي مؤشراً على درجة امتلاء الحوض. من هنا فإن الحكيم يتخذه أنموذجاً…عندما يغدو عقل الحكيم في سكون، فإنه يغدو مرآة للعالم ومرتسماً للخليقة". هكذا كان الحكيم "لاو" يؤسس لهذه السكينة والسيطرة على الذات وعدم إطلاق العنان للسان يجدف بمجدافين سرعان ما ينكسران كلما كان ضجيج المياه هادرا، فتنحسر ثقة الناس به لتدني هيبته، ففي الصمت هيبة وفي السكينة وقار، وفي ضجيج القول وتكسر أركان الحوار والاستئثار به طيلة الوقت إشارة إلى عدم ثقته بالآخرين. فكما قال (لاو): "إذا لم تمنح ثقتك للناس أولاً، فلن تستطيع الحصول على ثقتهم". وكان لأقوال هذا الحكيم والفيلسوف أثرها البالغ في استقرار بلاده، يقول أحد الباحثين: "أفاد الصين من أفكار لاوتسو السياسية، الأمر الذي ساعد على استتباب الأمن والسلام لفترة طويلة، وشهدت البلاد ازدهاراً اقتصادياً قلّ مثيله. وقد صارت تجربته فيما بعد مثلاً احتذت به دول أخرى والتي تعاقبت بعدها، وأفادت على درجات متفاوتة من الفكر التاوي". وكان من أهم ركائز هذا الفكر هو السكون والسكينة وكبح لجام شهوة الكلام وضجيج الافتعال.
إن بعض إعلامنا العربي قد ساهم بدرجة كبيرة في تأسيس هذا المسلك من أخلاق التواصل الإنساني، فقوض مفهوم حسن الكلام ورقي الإنصات، ومضى قدما في تقويض هيبة الحديث ووقار الكلمة وبالتالي من ينتجها. فكيف بنا أن نأخذ فكرا أو رأيا أو علما أو منهجا فكريا بجميع مساراته من إنسان قد فقد هيبته وانحسر وقاره؟! وقد كان لنا خير مثال على ذلك هو أحد البرامج في قناة خليجية استمر إلى ما يقرب من 15 عاما معتمدا على ضجيج الخطاب ومقاطعة الحوار والانفراد بالرأي والعصبية والتعصب، حتى يصل الأمر إلى الركل بالأرجل أو الاشتباك بالأيدي أمام ملايين النظارة في شتى بقاع الأرض، معتمدا على عنصر الإثارة والتشويق لجذب شباك الإعلانات، دونما انتباه لما قد يؤسسة على مدار هذه الأعوام المتصلة في ذهنية نظارته من سلوك مكتسب حتى أصبح سلوكا نراه لبني البشر في الشارع وفي الإعلام، فتتكسر الهيبة على صخور الغث من الكلام، وتضيع الحكمة في المفازة. وفي أدب الجدل والمناظرة يقول البغدادي: إذا وقع له شيء في أول كلام الخصم، فلا يعجل بالحكم عليه، فربما كان في آخر كلامه ما يبين أن الغرض بخلاف الواقع له. ثم قال: وينبغي أن يكون كل واحد من الخصمين مقبلاً على صاحبه بوجهه في حال مناظرته, مستمعاً كلامه إلى أن ينهيه، فإن ذلك طريق معرفته, والوقوف على حقيقته, وربما كان في كلامه ما يدل على فساده, وينبه إلى عواره, فيكون ذلك معونة له على جوابه. 
ويتفق معه الفيلسوف الألماني (أو . ف. بولنزف) في هذا الرأي حين قال: "إن الشرط الأول للحوار هو الإصغاء إلى الآخر، إنه يعني أن أدرك أن الآخر يود أن يقول لي شيئا، شيئا مهما بالنسبة لي، شيئا عليّ أن أفكر فيه وقد يرغمني، إذا دعت الضرورة على تغيير رأيي".
وقد فطن الناقد الروسي ميخائيل باختين في كتابه عن دوستويفسكي لمسألة في الحوار على درجة كبيرة من الأهمية، هي استبعاد النسبوية relativism والدغمائية لكل حوار حقيقي، حيث تجعله النسبوية غير مفيد وتجعله الدوغمائية مستحيلا. "فالنسبيوية هي تطرف في النسبة بنفي الشمول كليا، كما يمكن لنفي النسبية أو تجاهلها أن يدعى الشمولية. وكلاهما تطرف، فالشمولية تؤدي حتما إلى الدوغمائية، والنسبوية إلى السلبية والانتهازية وتقهقر الفكر وانعدام الحوار. ولا يمكن النظر السليم إلا في إدراك العام والخاص، والشامل هو أفق التفاهم، والشمولية هي التي يتوقف عليها نجاح العلم وعليها تبنى الأفكار التي تتجاوز إطار المصالح الضيقة، وتتأسس المنظومات الفكرية والمعرفية التي تجعل محورها إنسانية الإنسان". 
فلماذا يتلاشى الإنسان بدواخلنا وينبري الحوار في ثقافتنا في هذه الأيام ليعتلي صهوة الأنا وإقصاء الآخر في دوغماتية فظة وفجة، وخاصة على شاشات القنوات الفضائية التي تشكل سلوك العامة في نهاية المطاف.

الوطــــــــــن
       

الخميس، 13 ديسمبر 2012

المسرح.. سياسة أم ثقافة؟ للدكتورة : ملحة عبدالله




للمسرح صناعة لا تقبل المواربة، وهو لا يسير في خطوط متوازية، لأنه أداة من أدوات الوعي والمعرفة، التي تحمل صدق التعبير والتنوير، ولكنه يحتاج إلى تربة صالحة كي يؤتي ثماره
علينا أن نمعن النظر في ما هو سياسي وما هو ثقافي، وما هي دائرة كل منهما بشكل عام. وهل تنفصل دائرة السياسة عن دائرة الثقافة؟ وما هو موقع المسرح بين هاتين الدائرتين؟
هذه تساؤلات هامة تعمل على إيقاظ الوعي بإدراك مسارات ومدارات هذه الدوائر لدى البعض، والذي قد يخيل إليه أنها لا تلتقي أبداً! بينما هي دوائر تتصل أو تنفصل حسب الوعى الجمعي. فما هي آليات وسلبيات هذا الاتصال أو الانفصال؟ وما هي إيجابياته بشكل عام وفي مختلف الثقافات ومجمع الحضارات عبر الأزمنة حتى يومنا هذا؟
لم تكن السياسة والثقافة دائرتين متماستين بل متقاطعتين، فلا تدور عجلة الأولى إلا بالثانية، والعكس، وذلك في حالة حرية التعبير وصدق الأقلام وموضوعيتها، فلا يستقيم الأمر إن تحركتا في خطوط متوازية، والفصل بينهما يعد أمرا تعسفيا، وهذا أهم ما في الأمر. والمسرح هو العروة الوثيقة بينهما لكي تكتمل سلسلة الفكر والتعبير الصادق البناء، وإلا انفصمت العرى وذهبت كل دائرة إلى مجالها، وهذا ما نراه يجوب أرجاء الفكر العربي في يومنا هذا! ولعل أرستوفان (448-380 قبل الميلاد) كان أول من أرسى قواعد النقد والفكر والسياسة معا في مسرحياته الشهيرة "الضفادع" و"السحب".
يقول حنا عبود في دراسة بعنوان "مسرح الفاجعة": (أثبت أرستوفان في هذه المسرحية أنه ناقد أدبي فذ يلتزم جانب الموضوعية، ويحاول أن يكون نزيهاً كعادة الأرستقراطيين في تصرفاتهم وإدارتهم. وقد سعى إلى فحص كل من التوجهات الفكرية والفنية العامة، فلم يفصل في المفاضلة بين الجانبين. وبالمقابل فإنه لم يسمح لنفسه بتفضيل جانب على آخر، وإنما اكتفى بالرصد الدقيق الموضوعي. كان بعمله هذا قدوة لكل النقاد الجادين حتى هذه الأيام. فحتى اليوم لا يجرؤ أحد أن يفصل الفن عن الفكر والسياسة، أو كما نقول بلغة عصرنا أن يفصل الشكل عن المضمون. وهو الذي علمنا أن المضمون الرائع لا يستدعي بالضرورة شكلاً رائعاً، وكذلك ليس بالضرورة أن يكون الشكل الناجح مفصحاً عن مضمون ناجح. لقد علمنا أنه ليس بمقدور الفنان أن يقدم فنه وفكره بنسب متساوية ومتسقة. والناجح في مضمونه لا يعني أنه ناجح في شكله. وحتى اليوم لا تزال هذه المسائل تشغل النقاد، فيحارون في تحديد روعة العمل وقياس نسبة الفكر من جهة والفنية من جهة أخرى).
فمتى تتلاقى الأطر بشكل متقاطع؟ وكيف يعمل المسرح الذي يتساءل العالم العربي عن أزمته؟ لتدور العجلة المجتمعية بشكل عام! فالوعي الوطني والفكر الراقي الباحث عن تحقق واعٍ ومدرك لجميع المحاور الاجتماعية والاقتصادية والتربوية إلخ.. هو من يحقق هذه المعادلة، والمسرح عنصر هام من عناصر هذه المعادلة، ليس في دول الخليج فحسب، وإنما في جميع أنحاء الوطن العربي والذي يتساءل الإعلام عن كبوته!
يقول يوسف إدريس حين سئل عن أزمة الرواية وبطبيعة الحال شأنها شأن المسرح: "لا أعتقد بوجود أزمة قائمة في الرواية أو القصة بشكل عام، أي أن هناك أزمة قائمة بين الأديب كمعبر عن مجتمعه في ظرفنا الراهن وقدرة المجتمع على استيعاب هذا التعبير.. رفض مجتمعنا أن يواجه نفسه مواجهة صريحة.. الكاتب هو مرآة الحقيقة الصادمة، فأعتقد أن أزمته في أن يقول الحق, ويعتقد أنه يقول الحق، وأن يجر عليه هذا القول تبعات الصراحة في كل زمان ومكان". فيوجز كاتبنا أزمة الإبداع في سطور.
وتقول الكاتبة هالة مصطفى: "يتضح لنا حالة من الترابط الوثيق بين عالم الفكر والثقافة من ناحية وبين البيئة الحاضنة لهما سياسية كانت أو اجتماعية من ناحية أخرى، فكلا المجالين لا يدوران في فراغ، وإنما هناك دائما علاقة تبادلية جدلية تربطهما ببعضهما البعض".
هذا وإذا نظرنا للمسرح كونه ثقافيا أم سياسيا وإلى أيهما ترجح الكفة؟ فإن البعض ينسبه إلى إحدى الكفتين بينما هو كلاهما، وبدونه لا يستقيم الأمر، وهذا ما تعلمناه وثقفته مداركنا من علوم المسرح منذ القرن الخامس قبل الميلاد حتى يومنا هذا، ولذلك فالمسرح في الوطن العربي يحيا أزمة معرفة، أزمة تعبير نتيجة لقولبة الفكر والتفكير وكبح التعبير.
تقول الكاتبة سالفة الذكر عن أزمة التعبير: "في جميع الحالات (يتقولب) الفكر وتتحول الثقافة إلى أيديولوجية وينتفي الاختيار، وتصبح التبعية هي وسيلة التنشئة الرئيسية، أو بالأحرى وسيلة "التلقين" الطبيعية، أما الفرد فيتحول إلى مجرد عنصر تابع داخل جماعة، أي جماعة. فالمجموع بمعناه الفضفاض والهلامي أحيانا يصبح هو الغاية والوسيلة التي تتحكم بها فئة معينة في توجيه السياسة والثقافة والمجتمع".
وللفن المسرحي خمسة محاور لا ينقص أحد منها، ولها مداخلها التي إن نقص محور اختل توازن الفن المسرحي وهي: (الاجتماعي، النفسي، السياسي، الاقتصادي، العقائدي)، ومنها جميعها يتكون المسرح، للمسرح صناعة لا تقبل المواربة، وهو لا يسير في خطوط متوازية، لأنه أداة من أدوات الوعي والمعرفة، التي تحمل صدق التعبير والتنوير، ولكنه يحتاج إلى تربة صالحة كي يؤتي ثماره، فلو أمعنا النظر في حال المسرح في العصور الوسطى - وهي ما يطلق عليها مجازيا العصور المظلمة – فسنجد أنه كان مسرحا باهتا وضعيفا، فلم نر إلا مسرحيات الأسرار والمريمات الثلاث وغير ذلك ممن حاولوا إيقاظ المسرح من سبات دام أكثر من خمسة قرون، وحينما جاء عصر النهضة Renascence بما فيه من نهضة وتقدم وعبقرية أفرزت علماء ومخترعات أفادت البشرية وظهر لنا المسرح العملاق الذي أعاد أمجاد المسرح اليوناني والروماني، بل تفوق عليه، فكان شكسبير وموليير وكورني وغيرهم ممن تقتات الجامعات على أعمالهم حتى يومنا هذا، والحقيقة أن المسرح يعكس واقع عصره وثقافته ووعي مجتمعه وحرية تعبيره, فهو كالنباتات حينما تنمو في مياه راكدة أو ضحلة فلا تنتج إلا طحالب سامة، وحينما تتغذى بالمياه النقية الجارية والمتجددة فلا تنتج إلا ثمارا صالحة تنفع الناس.
عن أزمة التعبير وأزمة استيعاب المجتمع: يقول الكاتب المسرحي سمير عبدالباقي:
(أجبرني أقول أشعار بلا لازمة
.. ولا تشد عزمة
ولا تشفي عليل أزمة.. ولا تفتح عصي الأبواب..
ومنين تجيب أودان لأحزان الكلام الصعب
والصدق عضة كلب- يا كداب)
ومن العجيب في يومنا هذا أننا نجد فصلا غير مبرر بين الثقافة، والسياسة، والمسرح، والدين، والعلم، وإن كان لكل منها علومه، إلا أنه فصل تعسفي يؤدي إلى التحزب والتشتت والتصنيف المحفز على الفرقة.

"الأنارسية.. والنحن" للدكتورة ملحة عبد الله




التنافر في الطباع بين من تربوا وتعلموا بالداخل ومن تلقوا تعليمهم بالخارج يعمل على تحطيم المعنويات العائدة بالهمم وبالعلم وبالخبرة
يعاني شبابنا العائد من البعثات الخارجية، وممن تلقوا تعليمهم بالخارج من مشكلات العمل الفردي وفردية التفكير وعدم الانخراط في العمل الجماعي كما تعلموه في بلاد خارج الحدود، فما هذه المعاناة وما هي أسبابها؟
إن الإنسان العربي فطر على الأعمال الجماعية، فقد نشأ على الزراعة وبعض الصناعة وهي أعمال جماعية، ومن أمثلتها الرعي؛ فإذا سرح الراعي بقطيعه في أعالي الجبال أو غياهب المفازات، فهو يأنس بقطيعه وبكلبه وبرعاة آخرين ينتشرون في أرجاء قريبة، أما عن الزراعة والصناعة فهي بلا شك أعمال جماعية لا تعتمد على الفرد الواحد. ولقد اتسم المجتمع العربي منذ الشهقة الأولى له بأنه مجتمع القطيع، أي أنه يحيا في جماعات في أغلب الأحيان، وذلك يرجع إلى ثيولوجيا "المكان، فللطبيعة أثرها الواضح في تكوين الشخصية العربية، حيث المساحات الشاسعة والسماء الصافية وامتداد الأفق على مرمى البصر. فخلق ذلك نوعا من الوحشة التي لا تأنس إلا بالآخر الذي تبحث عنه دائما. ومن هنا اتسم المجتمع بالبحث الدائم عن الأنس. فلم تكن الفردية من سمات مجتمعاتنا. وكذلك تختلف الشخصية الغربية من حيث السمات والخصائص تبعا لطبيعة المكان كما أسلفنا، حيث الضباب والغابات وطبيعة الجبال تحف دائما بالفرد مما تشعره دائما بالدفء المعنوي، فدائرية البصر لا توحي دائما بالمجهول.
ومن هنا لم تكن الفردية أو الدائرية - والتي قد تقع بين النرجسية والأنانية - من سمات الشخصية العربية. فمن أين أتت لنا هذه السمة وهي أن الفرد يحيا في العمل خاصة متخذا كتم أسراره وتفاعله وتفعيله أمرا محتما، ويحيط نفسه بدائرية لا فكاك منها، وإن تفوق أحد من زملائه شعر في قرارة نفسه بالضيق ليس لأنه تفوق وإنما لأنه يرى نفسه أحسن منه أو أحق.
النرجسية Narcissus تعني حب النفس وهذه الكلمة نسبة إلى أسطورة يونانية، ورد فيها أن نارسيس كان آية في الجمال وقد عشق نفسه عندما رأى وجهه في الماء.
الصفة الأساسية في الشخصية النرجسية هي الأنانية، فالنرجسي عاشق لنفسه ويرى أنه الأفضل والأجمل والأذكى ويرى الناس أقل منه، ولذلك فهو يستبيح لنفسه استغلال الناس وتسخيرهم.
أما الأنانية "فهي الفردية الشرسة وحُب التمّلك والغيرة الجنونية التي تدفعُ الإنسان إلى إرادة السيطرة على أملاك الغير بدون حق، فيدرج من الأنانية أشياء كثيرة، منها حُب الاتكالية والاعتماد على الغير وإراحة النفس والصعود على أكتاف وظهور الآخرين بضمير ميت وبدون مبالاة، والأنانية أيضا هي رغبة ذاتية للاستحواذ على حاجات الغير وتريدها فقط لنفسها وتحرّمها على غيرها، فمثلا تجد بعض الدول همها الاستيلاء على خيرات الدول الفقيرة بدون حق ولا نعرف على أي أساس تريد أن تحلل لنفسها كل شيء وتمنعه على غيرها فهذه أنانية مؤكدة، ويندرج من الأنانية أيضا الغرور والتكبر، فالشخص الأناني يرى كل من حوله خدما وعبيدا عنده، وحبه لذاته لا يفوقه حب أي شيء".
فإذا بالفرد منا لا هو هذا ولا ذاك، وإنما يأخذ من الأولى سمات ومن الثانية سمات ويكون الناتج أسميه (الأنارسية) وهو نتاج امتزاج سمات من هذه ومن تلك.
فلنذهب معا إلى الأسباب التي تركت وراءها هذه السمة وما تركت:
أولا المنزل: فالوالدان هما أول من يؤسس للفردية، حينما نغرس في أبنائنا حب التفرد، فنقول لماذا هذا أحسن منك؟ ولماذا تفوق ذاك عنك؟ ويجب أن تكون أحسن من هذا وذاك! فينشأ ذا طبيعة دائرية لا يلوي على شيء سوى نفسه.
ثانيا المدرسة أو الجامعة: حينما نعلي من قدر هذا الطالب ونحط من قدر ذاك إما لمكانة والديه أو لتفوقه الفردي.
ثالثا التعليم: وهو اعتماد التعليم على العمل الفردي وليس الجماعي وهذا أهم ما في الأمر، فالتعليم الحديث في البلاد المتقدمة يعتمد على ما يسمى بالـ(وورك شوب) وهو أن تكلف المجموعة (جروب) بالمهمة التعليمية وتعطى الدرجات للمجموعة ككل، وبالتالي ينشأ لدى الفرد حب التعاون والإنتاج المشترك، ومن هنا يكون النجاح الجماعي في العمل وليس لنجاح فرد عن آخر. فالمهمات لا تنجح بأفراد وإنما بالجهد الجماعي الذي لا يحبذه أبناء بلادنا في هذا الزمان الذي أصبح مفتوحا على العالم، فلا مكان للفردية والاستفراد لأنها لا تنتج إلا فردا، والفرد بمفرده لن ينهض بالمجتمع ولا حتى بالأداء الوظيفي، ويصبح الكل يذهب إلى العمل في تثاقل لا يحركه سوى الدائرية والانغلاق ولتذهب بلادنا مع الريح.
إن هذا التنافر في الطباع بين من تربوا وتعلموا بالداخل ومن تلقوا تعليمهم بالخارج يعمل على تحطيم المعنويات العائدة بالهمم وبالعلم وبالخبرة، فهؤلاء تعلموا على العمل والإبداع والإنتاج الجماعي كما تطبعوه من طريقة تعليمهم، وهؤلاء ينفردون ويستديرون بفردية يغلفها حب الذات التي تنتج الحقد والكراهية في نهاية الأمر والضحية هو العمل والنتائج المحامية في الإنتاج، فيفقد الكل من جماعة ومجموع وأفراد قيمة اللذة (لذة العمل)، أي متعة الأداء وهي سر تفوق العمل في البلاد المتقدمة. فماذا نحن فاعلون اتجاه جمع غفير سيعود من البعثات الخارجية، تدربوا وتعلموا متعة الأداء الجماعي (وورك شوب)، وعن تعارض الرغبات بين ممتهني العمل الفردي والباحثين عن التفرد الذي لا يبني دولة في العصر الحديث ولا حتى يبني فردا وبين عاشقي العمل الجماعي؟ لأنه أي (العمل الفردي) يسرب إلى الذوات حب الذات والأنانية والحقد والحسد فيصبح العمل جحيما كما تصبح العلاقات الاجتماعية مفككة غير متصلة ولا متواصلة، فالابتسامة والبشاشة هي أولى لبنات العمل الجماعي التي تؤسس للحب والتفاهم ثم العمل المشترك ثم مجتمع آهل بالمحبة، وهذا ما نراه في الدول والمجتمع العالمي الحديث وما لا نراه في بيئتنا ومجتمعنا الذي تأسس على ذلك قبل أي مجتمع آخر، فلماذا كانت الابتسامة صدقة؟ لأنها أولى درجات تبيين الرؤية في الحميمية المجتمعية والتي تمد جسور العمل الذي هو عبادة.
ملحة عبدالله  

من أين يستمد هؤلاء قواهم؟ الدكتورة ملحة عبد الله




إلى أي حد اهتم وطننا العربي بثقافته وإعلامه "قواه الناعمة" في مقابلة إعلام وثقافة عالمية مفتوحة تتسرب إلى وجداننا وتعمل فينا عمل السحر؟
لقد أثبتت النظريات العلمية أن قوة التأثير الثقافي والإعلامي أسرع وأشد وقعا من قوة السلاح، وذلك لقوة ما أسماه علماء النفس مجازا لها بالـ"بعد السحري". وذلك استنادا إلى ما قاله "هربرت ريد" في مسألة المزج بين الانفعال والتعاطف كما أوردته في كتابي (البعد الخامس في التلقي): "إن كلمة التعاطف تعني الإحساس، فإننا حين نشعر بالتعاطف مع الإنسان المخزون فينا فإننا نزج بأنفسنا داخل إطار هذا العمل، وستحدد مشاعرنا تبعا لما ستجده هناك وتبعا للمكان الذي نحتله، وليس من الطبيعي أننا نستطيع أن نزج إحساسنا في أي شيء نلاحظه، ولكننا حينما نعمم القضية بهذا الشكل لا يكون هناك سوى تمييز ضئيل بين تسرب الانفعال والتعاطف". إن تضاؤل التمييز بين التعاطف والانفعال كان التأثير بما يسمى الـ "حقن تحت الجلد" وهنا تكمن الخطورة.
ولهذا تنبه الإعلام والثقافة الغربية إلى خطورة هذه الآلة فأطلقوا عليها مجددا مصطلح "القوى الناعمة" لما لها من دور في زعزعة الثقة. وزعزعة الثقة أدهى آلات الحروب وأشدها ضراوة، زعزعة الثقة هذه هي عماد القوة الناعمة وعصب رسالتها فيما تؤثره في الحروب الباردة وغير الباردة، التي كانت رسالة النص المسرحي الذي كتبته كاتبة هذه السطور بعنوان: "حينما تموت الثعالب".. حين يلعب الثعلب على زعزعة الثقة بذوات أعدائه فينتحل الموت أحيانا كأسلوب من أساليب المكر والدهاء، حتى وصل الأمر أن شنق البطل نفسه لأنهم زعزعوا ثقته بنفسه وأكدوا له مكرا أنه سبب دمار هذا العالم، فيموتون انتحالا فلا يجد بدا من شنق نفسه انتقاما للعالم الذي توهم للحظة أنه من دمره. هذه هي زعزعة الثقة بالذات، كأسلوب من أساليب تدمير الدول والانتصار على العدو. يقول جوزيف. إس. ناي Joseph S. Nye في دراسة له عن القوى الناعمة: "في غضون الحرب الباردة، نجحت استراتيجية الاحتواء التي انتهجها الغرب في الجمع بين القوة العاتية المتمثلة في الردع العسكري، وبين القوة الناعمة التي تمثلت في اجتذاب الناس خلف الستار الحديدي. وخلف جدران الاحتواء العسكري نجح الغرب في تدمير الثقة السوفيتية في الذات باستخدام الإذاعات المختلفة، ومن خلال التبادل الطلابي والثقافي، والنجاح الذي حققه الاقتصاد الرأسمالي. وكما شهد لاحقاً أحد العملاء السابقين بهيئة الاستخبارات السوفيتية KGB: "كانت عمليات التبادل الثقافي بمثابة حصان طروادة بالنسبة للاتحاد السوفيتي. فقد لعبت دوراً هائلاً في تآكل النظام السوفيتي". هذا هو دور التسرب الانفعالي والاعتماد على الوجدانيات في السيطرة على الشعوب، ولعل أقصر الطرق هو استخدام العقيدة- أي عقيدة- في تحقيق ما يسمى بالتسرب الانفعالي، وأهم ما في الأمر ما يسمى "ثقافة الصورة" يقول جي إف دونسيل خبير علم النفس الفلسفي: "لا يكون إدراكها في صورة وجدانية ذاتية مفهومة فهما مبهما، بل في صورة كتل وألوان، فيصاحبها بعض الانفعالات كالخوف والفرح والحزن والغضب، وهي انفعالات ستصاحبها استجابات فسيولوجية. نحن نعرف أن التكيفات الفسيولوجية تقع تحت السيطرة المباشرة للجهاز العصبي اللاإرادي، والسيطرة غير المباشرة للمخ".
ومن هنا اعتمد الغرب اعتمادا كبيرا على هذه القوى الناعمة والمتمثلة في الثقافة والإعلام، بل وتحددت لها ميزانيات باهظة لفهمهم خطورة هذا الجهاز وفعاليته في التسرب إلى وجدانات الشعوب وزعزعة الثقة في نفوس الأعداء، وبطبيعة الحال بطرق غير مباشرة منها استخدام الكتلة واللون والإضاءة والخط ثم الكلمة، يقول جوزيف في دراسته منتقدا ميزانيات الولايات المتحدة الأميركية بهذا الصدد: "مع نهاية الحرب الباردة أصبح الأميركيون أكثر اهتماماً بالتوفير في الميزانية بدلاً من الاستثمار في القوة الناعمة. ففي عام 2003 ذكرت مجموعة استشارية مكونة من الحزبين الجمهوري والديموقراطي في تقرير لها أن الولايات المتحدة تنفق على الدبلوماسية العامة في الدول الإسلامية ما لا يزيد على 150 مليون دولار، وهو مبلغ وصفه التقرير بأنه غير لائق إلى حد فاضح.. في الواقع، لقد بلغ إجمالي إنفاق وزارة الخارجية على برامج الدبلوماسية العامة وكل إذاعات أميركا الدولية ما يزيد بقليل على بليون دولار، وهو تقريباً نفس المبلغ الذي تنفقه بريطانيا أو فرنسا، وهما دولتان تمثلان خُمس حجم أميركا ولا تزيد ميزانيتا الدفاع لديهما على 25% من ميزانية الدفاع الأميركية. وبطبيعة الحال، ليس لعاقل أن يقترح على أميركا أن تنفق على إطلاق الأفكار قدر ما تنفقه على إطلاق القنابل، ولكن من العجيب أن تنفق الولايات المتحدة على القوة العاتية 400 ضعف ما تنفقه على القوة الناعمة. أي أن الولايات المتحدة أنفقت 1% فقط من ميزانيتها العسكرية على القوة الناعمة".
فإلى أي حد اهتم وطننا العربي بثقافته وبإعلامه (قواه الناعمة) في مقابلة إعلام وثقافة عالمية مفتوحة تتسرب إلى وجداننا وتعمل فينا عمل السحر الذي أسماه الدكتور والمفكر المغربي عبدالرحمن زيدان في أحد مناقشاتي معه بالـ"السحر الحلال"؟ ويتساءل جوزيف بقوله: "إذا كان لأميركا أن تنتصر في تلك الحرب "ضد الإرهاب"، فيتعين على قادتها أن يعملوا على تحسين أدائهم في الجمع بين القوة العاتية والقوة الناعمة فيما يمكن أن نسميه بـِ"القوة الذكية". إذاً، فالقوة الذكية مفادها الجمع بين القوتين بحسب تعبير مخترع هذا المصطلح حيث يقول: "القوة، إذا عرّفناها باعتبارها القدرة على التأثير على الآخرين، فهي تأتي في مظاهر متعددة، والقوة الناعمة ليست ضعفاً، بل على العكس من ذلك، فإن الفشل في استخدام القوة الناعمة بشكل فعّال هو السبب وراء ضعف أميركا في كفاحها ضد الإرهاب. القوة الناعمة هي القدرة على التوصل إلى الغاية المطلوبة من خلال جذب الآخرين، وليس باللجوء إلى التهديد أو الجزاء. وهذه القوة تعتمد على الثقافة، والمبادئ السياسية، والسياسات المتبعة. وإذا تمكنت من إقناع الآخرين بأن يريدوا ما تريد، فلن تضطر إلى إنفاق الكثير بتطبيق مبدأ العصا والجزرة لتحريك الآخرين في الاتجاه الذي يحقق مصالحك".
ومن هنا فللقوى الناعمة دور كبير في استدرار القوة إن أراد القائمون عليها ذلك. ومن هنا تتم رسائل في إعلام مفتوح بدراسة ووعي وتقنية تبدأ بالخط والكتلة والتشكيل في الفراغ انتهاء بالضوء واللون مع خبرة بسيكلوجية الشعوب المستهدفة، كل هذه الأشياء تعمل فسيولوجيا ثم سسيولوجيا إذا ما أراد أي طرف زعزعة الثقة في أي طرف آخر، وبزعزعة الثقة تتهاوى القلاع، فكما يقول الكاتب المسرحي الدكتور فوزي فهمي في مسرحيته (لعبة السلطان): "لا تسقط القلعة المحاصرة لكثرة المحاصرين لها، ولكن تسقط حين يتساءل حماتها عن جدوى حمايتها".

الجمعة، 13 يوليو 2012

فوبيا الكاميرا والمرايا المتوازية بقلم : ملحة عبدالله



لفوبيا الكاميرا مكان واضح على المستويين المؤسسي والمجتمعي، ولكنهما نقيضان مستويان على سطح المرآة العاكسة، فالأولى مبرراتها هزيلة وزائفة، والثانية مبررة ومقبولة لأنها تصبح شديدة الخطورة على المجتمعات التقاليدية التي وجب احترامها لقد تداول النقاد مصطلح المرايا في تيار نقدي حديث، في محاولة سبر أغوار الواقع من خلال الأعمال النقدية، وسُطرت كتب عديدة بين المرايا المحدبة والمرايا المقعرة، فقد حظيت صورة المرآة بذاك الاهتمام الشديد في الدراسات الأدبية في المجال النقدي في النصف الثاني من القرن المنصرم، ومنها مفهوم المرايا المسطحة أو المستوية، ولهذا فقد فرض الموضوع نفسه، الكاميرا والمرايا المتوازية، وما تحدثه من عوامل نفسية في جوانب مجتمعاتنا.. "فهناك أربعة أشكال وأوضاع معروفة للمرايا، المرآة العادية حينما تكون منفردة، تعكس كل ما يوجد أمامها في صدق وأمانة دون تزييف أو تشويه أو مبالغة وسميت بالمرايا المستوية. أما المرآتان المتوازيتان فتقدمان صورا لا نهائية لكل ما يقع بينهما في متاهة خداعة ووهمية. والمرآة المقعرة، تقوم بتصغير الأشياء بشكل مخل يشوه حقيقتها لكن المرايا المحدبة تقوم بتكبير كل ما يوجد أمامها وتزييفه حسب زاوية انعكاسه فوق سطح المرآة".  فإذا ارتأينا أن المرايا المقعرة والمرايا المحدبة والمتوازية والمستوية هي أدوات نقدية لعوالم المجتمع، فإن الكاميرا ـ الإعلام المرئي ـ في يومنا هذا هي أداة من أدوات المرايا المستوية كما يجب أن تكون، إلا أنها تتحول في عالم تسوده فوبيا الصورة إلى مرايا متوازية كما صنفها النقاد الحداثيون. بما تحمله من خواص المتاهة الخداعة والوهمية في ظل هذه الفوبيا. وللصورة المسطحة مفعولها السحري في التسلل إلى الوجدان الجمعي وهنا تكمن الخطورة.  فللكاميرا سحرها ولها عنفوانها في الكشف عن أغوار النفس الداخلية قبل الخارجية وبالتالي المجتمع، ولعل الاهتمام بالتفاصيل الخارجية عامل حرفي فُتحت له أبوب الجامعات والأكاديميات العربية والعالمية للتعامل مع التأثير والتأثر بزواياها وحركاتها وأنواع إضاءتها في أطياف المجتمع، لأن تلك خاصية من خواصها الانعكاسية ولها مدلولاتها العتيدة في التأثير على من يتلقاها. ولهذا كان السؤال الملح وهو: إلى أي مدى يتعامل مع الكاميرا المسؤولون من كوادر وشخصيات عامة وأعلام دول بعد أن تسلل نوع منها إلى أبعد مما يجب؟ ولقد دأب العامة على استقبال الكاميرا بنوع من التحفز وأحيانا نوع ثقيل من التزيي ولبس القناع خوفا وتأمينا من تسلل خواصها لكشف أغوار النفس وما يدور في بواطن الوعي، وفي ردهات المؤسسات الأهلية منها والرسمية. تلك مشكلة كبيرة في ارتداء القناع، ولهذا فقد ظهر فيلم "اضحك الصورة تطلع حلوة" لأحمد زكى عام 1999 لكي يكشف قناع مجتمع بأكمله بما له وما عليه. لأن في موروثنا النفسي أن يضحك المرء أمام الكاميرا فور التقاط الصورة، لكي يخفِ ما يظهره عما يبطنه وهنا تكمن الخطورة في إعلامنا الحالي. ولعل الكاميرا اليوم من أهم عوامل الخوف الذي قد يصل إلى حد الفوبيا لدى كثير من الشخصيات العامة، فلم يعد الأمر كما تعلمه ودرسه الدارسون والمتخصصون في فنون الزوايا واللقطات بحسب ما يقتضيه الخبر الصحفي إذا ما اعتبرنا أن الصورة في حد ذاتها خبر صحفي حسب مقتضيات الخبرة الصحفية في فنون الخبر وأدواته، ومن جهة أخرى أصبح الأمر أشد ضراوة وأكثر جرأة إلى أن يصل إلى التعدي على الحقوق الشخصية والحياة الخاصة. حتى أصبح في حياة المجمتع العربي برمته شبح هذه الفوبيا، فأصبحت تلعب هذه الفوبيا على مستويين: المستوى الأول: على الصعيد المؤسسي.. المستوى الثاني: على الصعيد المجتمعي. فإذا ما تطرقنا للمستوى المؤسسي في الوطن العربي فسنجد أن هناك العديد من الشخصيات العامة ترفض فجائية الكاميرا خوفا من المرور بين الحقيقة والقناع، وتجنبا لأهم خاصية من خواص المرايا المستوية التي تكشف الحقيقة كما هي دون زيف أو مواربة، حينها نقع جميعا كمجتمع في منطقة المرايا المتوازية بما تحمله من خاصية المتاهة الخداعة والوهمية، بالرغم من أن ثقافتنا العربية والإسلامية تأسست على مراقبة الذات في السر والعلن لمن تحمل عبء المسؤولية، فحين يصبح الإنسان في مصاف الشخصيات العامة فلا بد أن يكون ظاهره باطنه وباطنه ظاهره ويعلم أن لكل فرد في مجتمعه نصيبا في أدائه وتصرفاته وأخلاقياته وعاداته وتقاليده، ومن هنا يتحتم عليه أن يجعل من ظاهره مرآة لباطنه لأن الكاميرا أصبحت في مفهوم المرايا المسطحة الكاشفة لبواطن الأمور ولم يعد لنا سبيل لتقبل فكرة ومقولة "اضحك الصورة تطلع حلوة". فلمذا إذا تلك الفوبيا التي نلحظها على كل من تبوأ مركزا مرموقاً؟ ولماذا يتحتم علينا أن "نضحك للصور لكي تطلع حلوة"؟ فالكاميرا يجب أن تتحرك بدون استئذان في كل ركن من أركان مؤسساتنا العربية والمحلية بدون خوف، لأنها منا وإلينا ومن خاف منها أو ترقبها أو استعد لها كان من المقنعين الذين يرفضهم المجتمع بأسره، لأنهم من فئة أو من جماعة "اضحك الصورة تطلع حلوة" بينما قد يكون في داخله بكاء ونحيب وتشنج لا يعلمه سواه. أما على المستوى المجتمعى فالعكس هو الصحيح، من زاوية الحرية الشخصية واحترام خصوصية الفرد وخاصة في مجتمعاتنا العربية ذات الحدود والخطوط الحمراء، التي أصبح للفوبيا الكاميراتية فيها قسط كبير حرصا على شديد الخصوصية والحرية الشخصية في هذه المجتمعات، ولذلك نرى لهذه الفوبيا مكانا واضحا على كلا المستويين المؤسسي والمجتمعي، ولكنهما نقيضان مستويان على سطح المرآة العاكسة، فالأولى مبرراتها هزيلة وزائفة وغير مقبولة إلى أبعد مدى، والثانية مبررة ومقبولة لأنها تصبح شديدة الخطورة على هذه المجتمعات التقاليدية التي يجب أن نحترمها ونقدرها، إلا أن كليهما يستويان بمرارة شديدة على سطح مستو من الفوبيا العاكسة لدواخل النفس وللمجتمع بجميع مستوياته. 


جريدة الوطن

الأخلاق فطرة أم اكتساب؟ بقلم : ملحة عبدالله





هل سأل أحد منا نفسه قبل أي تصرف أو سلوك يسلكه: هل هذا من الأخلاق في شيء؟ ليس من أجل مصلحة أو نفع مادي أو معنوي ذاتي، وإنما من أجل أن تظل راية مجتمع بأسره خفاقة؟
سؤال طالما حير كثيرا من الباحثين ونظر له جل الفلاسفة، ودعت له جميع الأديان السماوية، اعتمادا على علاقة الفرد بذاته وبالآخر ثم المجتمع، فالإنسان في عصره الأول كان لا يخاطب الآخر إلا بالإشارة ثم اخترع لغة كي يأنس بالآخرين فاتسم عصره بالخطاب اللغوي الكلامي ومن هنا تطورت اللغة بين الكلام والإشارة. 
والأخلاق أو السلوك البشري هو مجموعة تصرفات وممارسات تتسم بالشمولية ابتداء من الحركات والسكنات إلى أن تشمل جميع أشكال التواصل البشري والإنساني والحضاري التاريخي في إطار القيمة.
ومن هنا كان هذا السؤال حول: هل الأخلاق والسلوك البشري فطرة فطر عليها الإنسان أم أنه يكتسبها من محيطه البيئي والاجتماعي؟
فإذا ما رجعنا إلى التحليل العلمي، سنجد أن هناك تفاوتا كبيراً بين الاكتساب والفطرة، وقد أكد كثير من العلماء والفلاسفة أن الإنسان كله خير أي أنه فطر على الخير، أما النوازع الأخرى فترجع إلى نوازع القيمة وهي مكتسبة من محيطه وبيئته، ولذك ظهرت مجموعة أفلام طرزان التى ضجت بها السينما الأميركية تؤكد ذلك في أنه ولد في وسط بيئي "غابة" فاتسم بسلوك ولغة وتصرفات تلك الغابة، وهي رؤية لا تزال محل الجدل. وإذا ما سلمنا أن الإنسان قد فطر على الخير كله وأن ما عداه مكتسب فقد يرجع ذلك كله إلى نوازع النفس البشرية التي وضعها الله سبحانه وتعالى فينا ومنها تعدد الأنفس من نفس مطمئنة ونفس أمارة بالسوء والنفس الراضية إلخ..
وقد أرجع علماء النفس ذلك إلى مبدأ اللذة معيار الصواب والخطأ أو الخير والشر، وأول من أسس لهذا الأبيقوريون وكان سلوكهم كله تابعا لهذين السببين فاتسم سلوكهم بالهمجية والسوء، لأنهم كانوا يسعون إلى اللذة دون غيرها أعاذنا الله من ذلك، ثم امتدت إلى مناهج عديدة ومنها المدرسة الرواقية ثم الفترة الحديثة لكي تنفذ إلى مذاهب جيفي بنتام وجون ستيوارت مل وسيد جويك حول الانسياق وراء اللذة.
هذا وقد نظر للأخلاق العديد، ومنهم بوزانكيث في نظريته الأخلاقية المثالية التي ردها من وجهة نظره إلى:
1- مرحلة الغريزة: حيث يكون الفعل صائباً متى كان متوافقاً مع الحاجات والميول الفطرية والغرائزية التي عرض لها ماكدونالد.
2- مرحلة العادة: حيث يكون السلوك صائبا متى كان متوافقاً مع عادات وتقاليد الجماعة التي ينتمي إليها والمجتمع الذي يعيش فيه.
3- مرحلة الضمير: ويكون السلوك صائباً متى كان مثار استحسان وقبول الضمير، ويكون غير ذلك إذا استهجنة الضمير وثار ضده..
ولا أريد أن أستطرد في كلام علمي قد يثقل على القارئ، ولكني أردت أن أنوه إلى خطورة هذه الآراء على مجتمعاتنا التي حباها الله دستورا جامعا مانعا للأخلاق وهو "القرآن الكريم وسنة رسوله المصطفى صلى الله عليه وسلم" كما قالت عائشة رضي الله عنها عن أخلاق رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام: "كان خلقه القرآن"، ولقد شرعت في تأليف كتاب عما أسماه العالم بعلم "الإتكيت" - أي علم الأخلاق - مرتكزة على الكتاب والسنة، لكي يعرف العالم أخلاق الإسلام، لأنني بحثت في هذا العلم الذي يدرسه العالم في كلياته وجامعاته فوجدته برمته في كتاب الله سنة رسوله الكريم، بل يفوق علوم هؤلاء بجميع معاييرها وقوانينها في شتى السلوك البشري، وإذا كانت الأخلاق مكتسبة فهي تتطور حسب تطور الزمان والمكان، فإذا ما دأب العلماء على البحث في هذا المجال فإنهم يلجؤون إلى التطور التاريخي أو المتعاقب الزماني لما له من تأثير وتأثر على ميزته في كيفية التأثير والتأثر في النظريات الأخلاقية في بعضها البعض، ولهذا فإذا ما رجعنا إلى الزمان والمكان فسنجد أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر وأشمل وأدق وأكثر حرصا على الأخلاق المثالية الفاضلة، وكلما امتد الزمان والمكان كانت الأعداد تنازلية في هذا الحرص، مما يهدد أمتنا وديننا الحنيف، يقول الدكتور خالد حامد الخازمي في كتابه مساوئ الأخلاق: "حينما سادت الأخلاق وعلا شأن الفضيلة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم تألق أؤلئك الصحب الكرام في أخلاقهم إلى درجة أن المذنب لا يراه أحد إلا الله تعالى، فيأتي مستشعرا بعظم ذنبه فيقول: يارسول الله زنيت.. وتقول أخرى: زنيت.. فطهرني، ويقول آخر: يا رسول الله سرقت.. وبهذا الالتزام الديني سادوا العالم، وفتحو بلادا مغلقة، كانوا بها جاهلين، وحطموا قياصرة كانوا منها وجلين خائفين، فأصبحت راياتهم خفاقة عالية". 
فهل نعاند تطور الزمان وانفتاح المكان بالرجوع إلى الأخلاق الحقة وأصولها لكي ترف الرايات خفاقة كما كانت؟ هل سأل أحد منا نفسه قبل أي تصرف أو سلوك يسلكه: هل هذا من الأخلاق في شيء؟ ليس من أجل مصلحة أو نفع مادي أو معنوي ذاتي، وإنما من أجل أن تظل راية مجتمع بأسره خفاقة، هل يقف الفرد منا يتأمل ما آلت إليه المجتعمات العربية من كذب ورياء ومصالح فردية على حساب نهضة الأمة؟ أشك في ذلك. 
فالإنسان الفرد هو اللبنة الأولى في بناء المجتمع، ومن هنا الأمة ثم مصلحته هو وذريته في آخر المطاف، فتدور الدائرة إليه هو، إن خيرا فخير وإن شرا فشر، ويحصد ما زرعته يداه دون غيره في مناخ عربي وعالمي تسوده النوازع والأهواء، ومفاسد وصراعات ومظالم تدفع إليها الضغائن والأحقاد أو المطامع والأهواء أو الرغبة في التسلط والاستعلاء، فليس لنا من درع في هذا الزمان سوى الأخلاق.. يقول الشاعر:
وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا

السبت، 3 مارس 2012

الأهوال والأموال د/ ملحة عبد الله




في عالم شديد التشابك والتلاحم والاحتدام، نرى يقينا مناطق النزاع على المياه حسب المواثيق الدولية، ونرى أن أكبر تحد لدول الشرق الأوسط اليوم هو حل الصراع على منابع الماء
من منا ينظر إلى الأموال على أنها شيء غير مرغوب فيه؟ من منا ربط تعاسته وشقاءه باستدرار المال أو ربما بعدمه؟ البعض يعتقد أنني أقصد ذلك العناء الذي يجلبه طالب المال من سعي وكد، وإنما الحقيقة لدي هو ما يتركه المال لنا من سعادة ومن شقاء.
كل المنظرين وكل المحللين والدارسين أيقنوا أن المال أحد أسباب السعادة، فلا نتطرف ونقول أساس السعادة بأجملها ولسنا بصدد نفي ذلك أو إثباته، وإنما نتجول في رحاب المال ربما سعدنا أو شقينا فللتجول أدلة وبراهين تجعلنا نركن على حد هذين الركنين ونرتشف الحقيقة إن سعدنا أو قد نعض على النواجز إن كان غير ذلك.
كان العرب يستبشرون ويقيمون الولائم حين ينفجر لهم نبع أو يحفرون بئراً فلا يلبثون بضعة أشهر أو أيام حتى يفاجؤوا بسيل من الكر، وهذه من عادات العرب، ربما لندرة الماء لديهم وحبهم الشديد لمنابع الماء اتسم المجتمع بسمة الكر والفر.
والآبار شأن في تاريخنا نحسبه سمة الزهو والفخر والمال أيضاً، حتى في تراثنا الشعبي نربط البئر بالمال والعيش الرغيد، مثلما ترسخ في وجداننا من حكاية مثل حكاية علاء الدين الذي تحول من الشقاء إلى السعادة لحصوله على الفانوس السحري في داخل بئر تقذف الأماني. 
وحينما تفجرت لنا ينابيع البترول أيقنا أن الله قد استجاب لسيدنا إبراهيم هذه الدعوة بشقيها، الشق الأول إغداق الرزق على هذا البلد والشق الثاني وفود أفئدة من الناس.
إن الحديث عن البترول والطاقة أخذ من الباحثين والدارسين مأخذه فأصبحت دراسة الاستراتيجيات الدولية ترسم خرائطها حول النفط وللنفط فقط.
فاكتفت بعض الشعوب بالماء رمز النقاء والطهر وتيمنا بمبدأ السلامة تيقنا بأن الزيت والماء لا يجتمعان حسب الحتمية الكيمائية وبالتالي (فالبعد عن السعد غنيمة) إلا أن الزيت لم يعد يشبع نهم الباحثين عن الطاقة في حين أن الذود عن الغنيمة لم يعد أمراً تثق به القوة العالمية الباحثة عن الطاقة، فسعوا إلى الماء أيضاً ولم يتركوا للبدوي منابعه التي التف حولها منذ بدء الخليقة. فالعالم العربي بأكمله يتحرك من تحت أقدامنا والأرض تميد ليس لتراكم الزيت تحتها وإنما لوجود الماء كذريعة للوصول إلى الزيت، فكلاهما مصادر للطاقة، وكلاهما يجمعهما اسم واحد "بئر" وللبئر شأن في الوجدان العربي مصدر قوته، علماء النفس يقرون ما للوجدان من أثر على النصر أو على الهزيمة. 
إن أكبر تحد لدول الشرق الأوسط اليوم هو حل الصراع على منابع الماء، ففي تقرير صادر عن المركز الدولي من تأليف "فرانكلين فيشر" و"آنيت هيوبراي" بعنوان (الأصول السائلة منهج اقتصادي نحو إدارة المياه وحل الصراعات في الشرق الأوسط) وما يقدمه هذا التقرير من النظرة الشاسعة بأن المياه مصدر لا مفر منه للحروب في المستقبل إلا أنه يمكن التغلب على ذلك بالإدارة والحلول، فالمؤلفان يريان كلا من الطرفين المتنازعين يرى كل منهما أن ملكيته الكاملة لها تكمن في القيمة الاقتصادية للمياه كسلعة يمكن الاتجار بها، وهنا تتدخل القوى المانحة والصناديق الدولية لتمويل هذه المشروعات لصالح شعوب دول متنازعة كدول حوض النيل مثلا وقرار اجتماع أديس أبابا 2003، فتصبح النزاعات وحلها مدخلا لدول وأفئدة تهوي إلينا قسراً.
ثم ماذا إذا عن سد أليسو؟ إنه يعتبر من أكبر المشروعات المائية في القرن الواحد والعشرين وضع حجر الأساس له رئيس الوزراء التركي "رجب إردوغان " في عام 2006، فهو من أكبر السدود التي تقيمها تركيا على نهر دجلة فكيف نحدد حجم الأضرار التي يمكن أن تلحق بالعراق؟ ثم ماذا عن نهر الأردن الذي ذهبت إليه لأشاهد النهر العظيم الذي غنت له فيروز فما إن وصلت إليه حتى شاهدت قناة صغيرة فيها شيء من خرير الماء الرقراق المنساب بين حصواته، وحين سألت أين ذهب نهر الأردن العملاق قيل لي إن إسرائيل سرقته باجتذاب مياهه تجاهها! 
إنه عالم شديد التشابك والتلاحم والاحتدام، فها هي بين أيدينا مناطق النزاع وها هو الخطر نراه يقينا حسب المواثيق الدولية وهذا هو مستقبل أجيالنا المقبلة: 
• (تركيا، سورية، العراق) بسبب السدود التركية التي بنيت فعلا أو تدخل ضمن مشاريع مستقبلية لمياه نهري دجلة والفرات. 
• (إيران، العراق) اللذان يتنافسان على شط العرب، ملتقى دجلة والفرات. 
• (مصر، السودان، إثيوبيا) حول مياه النيل. 
• (مصر، السودان، ليبيا، تشاد، النيجر) التي يدور بينها خلاف على حقل مائي جوفي بعمق 800 متر. وتريد ليبيا استثماره لشق نهر اصطناعي لتمد بذلك سواحلها بالمياه العذبة. 
• (زامبيا، بوتسوانا، زيمبابوي، موزمبيق) حول تقاسم مياه نهر السنغال. 
حروب قادمة وعالم من التنازع بينما الموت عطشا والجفاف يهدد البعض الآخر. 
إن البدوي ـ المشتاق للمسة سلام مع الآخر ومع الذات والمكان ـ يربط أمتعته ويكز ناقته للبحث عن مكان خال من المشاحنات ليحيا حسب فطرته وطبيعته المتناسقة مع الطبيعة من هواء وماء وشعلة نار وقليل من اللبن والتمر في سلام. لكنه يصطدم بحقيقة مرة حينما يقال له احفر بئرا كي تعيش.. حينها يسقط لجام ناقته من يده وتشخص عيناه بعيدا.. ماذا بعد...

الأناركية والثورات العربية د/ ملحة عبد الله






بعد أفول نجم الاشتراكية في الحقب الزمانية الماضية، وبعد سطوع نجم الإسلاميين بعد الثورات العربية في تونس ومصر وغيرها من الدول العربية، نرصد تحرك تيار جديد تحت مسمى (الأناركية) مع الثورات العربية، فيجوب شعاره الملاعب ومحطات المترو وأغلب الأماكن متخذا من الدائرة الممزوجة بالأحمر والأسود "يتوسطها حرف A مقلوبا" شعارا له، وأغلب معتنقيه من الشباب، ولهذا التيار أسس وأهداف فهو البديل الذي يطرحه هذا التيار عن الرأسمالية والدولة، وأهم مبادئه أنه "النظام الاشتراكي التحرري الأناركي أوالنظام الاشتراكي. يتأسس على الملكية التشاركية (الكوميونالية) لكل من وسائل الإنتاج والعنف والمعرفة، باعتبارها مصادر السلطة المادية، لا ملكية الدولة العامة كما في رأسمالية الدولة، ولا الملكية الخاصة كما في رأسمالية الأفراد، ويقوم على احترام حقيقة تفرد الإنسان كفرد له سماته وشخصيته الفريدة، والذي تتعدد أبعاد شخصيته بسبب صفاته الجسدية والعقلية ومكتسباته الاجتماعية، وخبراته التاريخية، وقدراته الخاصة"، هذا ما يرتكز عليه هذا التيار الأناركي، كما أنهم يرون أن الإنسان مكبل بالعديد من القيود مثل الصفات الوراثية والأوضاع الاجتماعية مما يجعله مجبرا على اكتساب موروثاته وجنسه ولغته وثقافته وعقيدته وعاداته وتقاليده ومجمل وعيه، ولذا يجب تحرره من وجهة نظرهم. وقد دعا هذا التيار إلى الانضمام إليه طالما قارب سن الشباب لكي يتم تحريره من هذه القيود كما يرونها، ومن ثم تتعدد التشاركيات (الكوميونات) بغض النظر عن جنسه أو عرقه أو آرائه السياسية أو دينه أو قوميته أو وضعه الاجتماعي.
إن هذه السمات غالبا ما نلحظها في بعض التكتلات الشبابية - التي ترتدي هذا الشعار-، جيل جديد يتزعم مبادئ لا يدرك كنهها ولا يعلم من أين أتت ومن هم صانعوها، وهي أفكار ـ بلا شك ـ وافدة على المجتمع العربي بإرثه الكبير من معتقدات وعادات وتقاليد وأعراف. إن الانسلاخ من القيم الموروثة هو ما نظَّر له الغرب. ففي ندوة بعنوان (تفسير الربيع العربي من وجهة نظر أكاديمية أميركية) حفلت بالعديد من المنظرين ومنهم "مارتن إنديك" (نائب الرئيس والمدير، السياسة الخارجية، معهد BROOKINGS ). وأوليفر روي (الرئيس في Mediterranean Studies ) ـ معهد European University ـ وتوماس فريدمان (محرر في الـ New York Times). 
نجد مقدم الندوة يقدم أولفر روي فيقول: "كان أوليفر روي أحد أوائل الخبراء الذين ناقشوا الحاجة إلى الوقوف في الجانب الصحيح من التاريخ ودعم التغيير، التغيير الديمقراطي الذي فهم روي أنه سينتشر عبر العالم العربي من تونس. لقد قال إن الثورات العربية تشكل الثورات الأولى لما بعد الأسلمة".
وبالتالى فإن نظام الأناركي هو المثال من وجهة نظر روي وإنديك. إنديك يرى أن هؤلاء الشباب هم من يمثلون المجتمع الجديد في العالم فيقول: لماذا قلت إن الربيع العربي أمر لا رجعة فيه؟ بالنسبة لي هناك ثلاثة تغييرات رئيسة بالعمق في المجتمعات العربية؛ أولا.. إنهم أقل ارتباطاً بالعائلات الكبيرة، بالعائلات الممتدة. لديهم عدد أقل من الأطفال عندما ينجبون. إنهم أكثر اتصالاً, وأكثر عالمية وشمولية. غالباً ما يفهمون أو يتحدثون لغات أجنبية. إنهم على اطلاع. وهم لا يتبعون المجتمع الأبوي التقليدي، والثقافة الأبوية بالضبط، لأن البنى الأبوية، على وجه التحديد، هي الآن في حالة هبوط، لم تعد تعمل. إنهم أكثر تعلماً من آبائهم. إنهم أفضل من آبائهم".
ثم يثني روي على أهم ظاهرة، وهي الانسلاخ من القيم العربية فيقول: "إن الصورة الأبوية التقليدية عن الزعيم لم تعد تعمل بعد اليوم. فهم غير منجذبين للقادة الكاريزميين. إنه جيل السلام، ليس جيل القادة العظام. لذا، فإن نتيجة هذا الأمر – وهذا هو التغيير الثاني- هو أن هناك انهياراَ للثقافة العربية التقليدية – حسناً، كلمة تقليدي كلمة كبيرة – لكنه انهيار للثقافة العربية التقليدية المبنية على الشخصية الكاريزمية أو المبنية على الابن، كما تعلمون. فعادة ما يكون الأبناء أقل كاريزمية من آبائهم. لكن مع ذلك، كما تعلمون، كانت الفكرة أن هناك قائداً شرعياً كبيراً وأنه يفترض بالناس أن يكونوا موحدين، وأن أي نوع من أنواع الإيديولوجية، القومية، الإسلاموية، العروبة، مسألة لا تهم, وأن الديمقراطية هي ديمقراطية خارجية ـ أكثر من خارجية ـ هي مؤامرة لتدمير وحدة الشعب العربي".
ثم يستمر في محاضرته فيقول: "كل ذلك انتهى. إنهم يؤمنون بالديموقراطية، وليس بالمصطلح الثقافي للكلمة، إنما بشيء موجود في داخلنا جميعاً. هم لا يهتمون باتباع النماذج غير التقليدية، كما تعلمون. هم لا يؤمنون بالمؤامرة الغربية لتقويض القومية العربية. هم لا يكترثون للبروباغندا.. يريدون حكماً رشيداً ومواطنة جيدة"، وبهذا فإن خلع رداء العادات والتقاليد والقيم - من أبرزها إسقاط السلطة الأبوية والمتمثلة في احترام الكبير ووجود الشخص الرمز والقادة العظام - من متطلبات إنديك للعالم الجديد.
هذا هو النموذج لدى منظري العالم الجديد، حمى الله شبابنا وعاداتنا وتقاليدنا.. آمين.

الاثنين، 5 ديسمبر 2011

هنا...... الطائرة بقلم د . ملحه عبدالله


                   
         حينما ترتفع الطائرة بأجنحتها البرَّاقة وكأنها تمزق السماء وترقد فوق هضاب من السحاب المتراكم، أغوص إلى الداخل هربا من هول الأفق.
      ولعل نصاعة السحب  وبياضها على امتداد الأفق خاطب ذلك البياض الداخلى لتجليات النفس البشرية وهمومها لتبعث ماكان كامنا فى عمق النفس، وماكانت تكبله أغلال الوعى وسلاسل ضجيج الحياة ، إنها حالة السوبر وعي أو ما أسموه الفلاسفة ( الكوزموك مايند) أي السباحة فى فضاءات العقل الكوني، وهنا تطفو الأفكار وتتجلى الهموم.
 لقلد  كانت هذه الرحله بين دولتين عربيتين خارج المملكة و تقترب من أيام عيدالاضحى، والتي تستوجب أن يقضي الفرد منا أعياده مع أهله وذويه كما تحتمه عاداتنا وتقاليدنا، وما تمليه علينا وجداناتنا و عقيدتنا من صلة رحم وغيره .
      ومن هنا كانت الطائرة تكتظ بالعديد من الجنسيات المختلفة ، كل يرجع الي موطنه،  منهم من كانت رحلته مباشرة ، ومنهم ذوي الرحالات غير المباشر إلى بلاد أخري بعيده .
    وكانت المسألة التي تناغمت مع دواجل النفس وصفاء الذهن في هذه اللحظة هي ذلك الوهج المحموم بجذوة  حب الوطن و أهله ، فالوطن الأصل هوذلك الذوبان من الذات في جميع الذوات الاخرى مما يشكل في نهاية الأمر ما يسمي بالوطن .
فإذا تظافرت الذوبانات البشرية من جميع الذوات في ذات واحدة في مكان واحد مستقر كان ذلك منبع النشوة بالإحساس بالمواطنة الحقة
     ومن هذا المفهوم زفت إلي عدة أسئلة . من هولاء البشر العائدين الي بلادهم ومن جنسيات مختلفة؟  ولماذا ابتعدوا ثم يعدون في حنين لا حدود له؟
    وسرعان ماتأتي الإجابة المباشرة من عدة أسئلة مباشرة أيضاّ .
    إن هولاء هم ذوات فردية انطلقت من الذوات الجمعيه ليعودوا اليها , وكأنها تطبيقا لنظرية الذات والموضوع " حيث أن الذات في سعى دائم للإتصاق بالموضوع- المتمثل في جنته المفقودة- مما يسبب ذلك القلق الدائم للبشرية ".
   إن كل من كان على متن الطائرة هم عاملون في شركات خاصة وعامة أنطلقت من بلادهم فحملتهم بلادهم وحملوها معهم في ذوبان جمالي متلاحق، والحقيقة أن هذا الأمر لاحظته في بلاد متقدمه مثل اليابان والولايات المتحدة الأمريكية وكذلك مصر و سوريا وغير ذلك حيث أن الشركات الإستثمارية العملاقة حين تمتد إلى خارج الوطن  تحمل معها طاقة عماليه كبيرة من نفس الوطن الأم و بهذا تخلق نوع من الرواج الداخلى و الخارجى في النفع والتشغيل و النجاح علي المستويين بين البلدين  .
إلا أن كبار المستثمرين في المملكة العربية السعودية وأصحاب الشركات العملاقة لا يحملون معهم رجالهم وهذا ماينفرد به المستثمر السعودي لانه حيث يبحث عن تكلفه أقل ويد عاملة أرخص كما فى النظرية الإقتصادية بالرغم من أن هناك فئات سعودية وأيدي عاملة تقبل بأي عرض تشغيلي لأن البطالة بين الشباب السعودي قد انتشرت وقبع العديد من حاملى الماجستير والدكتوراة  والبكالريوس ثم الدبلومات على أرصفة المقاهي وغرف "النت" و "الشات" و "البل توك" بينما نجد شركات سعودية إستثمارية عملاقة تذوب في ذوات غربية، فلا تلامس ذاتها التى هي منها وإليها- التى لم تحملها معها كغيرها من الشركات الغيورة والذائبة في الكيانها الجمعي . حينئذ فلا وطن ولا مواطنة، وكما يقال في المثل الشعبي ( جحا أولي بلحم ثوره ) 
مجلة بنات الخليج

المرأة ... بين الحُب والحَب بقلم د/ ملحة عبدالله


تناتيش
     المرأة ...  بين الحُب والحَب
    بقلم
             د/ ملحة عبدالله
الحٌب والحَب كلمتان متطابقتان في تكوينهما مختلفتان في معناهما بالرغم من اعتماد كل منهما على الأخرى في اكتساب الديمومة والفعالية والمعنى
فبالرغم من ضم الحاء في الأولى وفتحها في الثانية إلا أن لهما ارتباط وثيق إن لم يكن حتمياً بالحياة  لتصمدان أمام آفة "أكلة الوجدان" الآتية من عشاق أكلة الحب.
لم يكن هذا التناسخ بين الكلمتين إلا لما لكل واحدة منهما من انعكاس شديد على الحياة والبقاء فإذا انعدم الحب بضم الحاء انعدم الحَب وخسرنا القضية .
إننا نتسائل عن ظاهرة الحب في يومنا هذا في زمن العولمة ومصطلح " التيك اواي" وهل فطرنا على فتور المشاعر؟
  كيف ينجو مثلث أضلاعه ( الحَب ،والحٌب ، والوطن ) من فيروس" آكلة الوجدان"  حُب الحَب وهالة الألق وحب الظهور وحب الذات على حساب االوطن وشعلة الكفاءة .
 وفي إطار قرار خادم الحرمين الشريفين بمشاركة المرأة في مجلس الشورى وفي مجالس البلدية في المملكة توجست خطرا داهما جراء الصراع بين الحُب والحَب بين حب الوطن والمهنة التفاني في سبيل رفعة الوطن وبين حب الحَب و حُب الذات وذر الملح في العيون وسيادة نفوذ الحَب على حساب الحُب " حب الوطن"
 وإذا نظرنا إلى تكوين شخصية المرأة في الجزيرة والوطن العربي نجدها هي سيدة القرار، مسموعة الكلمة ، كما أن اسم القبيلة يرجع لإمرأة واحدة تتفرع منها مئات البطون وآلاف افخوذ كما في بني عاتكة وبني بسة وبني مره وغير ذلك ، وقد شهد القرآن الكريم للملكة بلقيس  برجاحة عقلها فترجع إلى الشورى حيث تستشير قومها فيردون الأمر إليها كما أن مشورة آسيا لفرعون  وثنيه عن قتل موسى عليه السلام أمرا أخذ به ،وكذلك شجرة الدر وقرارها بإخفاء موت زوجها أثناء الحرب حتى يصل توران شاه ويتسلم القيادة  لكي يتحقق النصر ثم تحكم هي مصر، وعن المرأة  في شبة  الجزيرة العربية يقول  فضيلة الشيخ "صفي الرحمن كفور" في كتابه الرحيق المختوم ( كانت علاقة الرجل مع أهله في الأشراف على درجة كبيرة  من الوعي والرقي  والتقدم ، وكان لها من الحرية والإرادة ونفاذ القول القسط الوفير .وكانت محترمة مصونة تسل دونها السيوف ، وكان الرجل إذا أراد أن يمتدح بما له في نظر العرب المقام السامي من الكرم والشجاعة لم يكن يخاطب في أكثر أوقاته إلا المرأة ،وربما  كانت المرأة إذا شاءت جمعت القبائل للسلام ، وان شاءت أشعلت بينهم نار الحرب  والقتال) هذه هي المرأة العربية بكل مالها من حقوق وواجبات في مجتمعها وأسرتها وهذا لا ينفي الرجل وحقوقه عليها فهي تعرف مالها وما عليها بعقل راجح بعيدا عن تسطيح الأمور والفكر فيقول في كتابه أيضاً( ومع هذا كله فقد كان الرجل يعتبر بلا منازع رئيس الأسرة ، وصاحب الكلمة فيها) ثم يأتي قرار السيدة خديجة رضي الله عنها حين يأتي النبي محمد صلى الله عليه وسلم  بأمر الرسالة فتكون أول من أسلم وهي من أشراف قريش وسادتهم لم تتراجع أو تتردد في اتخاذ قراراها بالتصديق والمؤازرة لسيد الأمة صلى الله عليه وسلم ورسالته.
لم يكن قرار خادم الحرمين الشريفين بمشاركة المرأة إلا عن وعي ودراية بتاريخ المرأة العربية وتكوين شخصيتها وإرثها الكبير لجدات سطرن التاريخ 
 وبالرغم من صدور هذا القرار الحكيم  فهل تستطيع المرأة السعودية خوض هذا المجال بكل شفافية لسيدات أكفاء في ظل سيادة عالم الحَب  وحب الألق وشهوة الشهرة وتضاؤل قيمة الحب للوطن ؟
عن مجلة بنات الخليج

الاثنين، 28 نوفمبر 2011

فرقة صعاليك المسرح المصرية مسرحية المسخ تأليف د . ملحة عبد الله إخراج: أشرف عزب



 
الشخصيات
جابر              :
القرد              :
مايسة             :
الأم               :
المحقق             :
حامل العصا      :
المدير             :
العشيق           :
حيوان 1         :
حيوان   2       :
اللجنة            :
المنظر  :
د اخل  أسوار حديقة الحيوان , يوجد في وسط المسرح, قفص  كبير .. وبة قرد ضخم و هو يضع راسه على  الارض  بينما تعلقت قدماه في حلقتين , تتدليان من اعلي الفقص   …  يقف جابر وهو يراقب القرد , بل يمازحه بتقليد حركته , القرد يقدفه بحبات الفول السودانى واصابع الموز  …  يضحك جابر وهو يعتدل في وقفته حتى  يواجه القرد .. يدخل أحد الاشخاص وهو حامل العصا…
حامل العصا      :  انت .. أنت يا بتاع القرد ..
جابر              : أيوه يابيه ..آني .
حامل العصا      : أمال مين يا مغفل .. طبعا أنت.. عايز أشوف القرد بيرقص ..
جابر              : يرقص طبعا يا بيه يرقص .. بس بكيفه .
حامل العصا      : حلوه بكيفه .. خليه يرقص ..
جابر              : هأحاول أقول له يا بيه .. تحت أمرك (يتجه نحو القرد )  يالله يا روكى .. أرقص وري  البيه 
                     الرقص..   (القرد يومئ بالرفض )
جابر              : رافض يرقص  ياسعاده البيه ..
حامل العصا      : حلوه رافض دي  .. خليه يرقص
جابر              : موش بالعافية .. اصل الرقص ده لما يكون مزاجه عال
  حامل العصا    : (يخرج له النقود ) خد  اديله .. خلى مزاجك عال وياه
 جابر             :  موش كل حاجه الفلوس يابيه  أصل القرد مش بني آدم
حامل العصا     : تقصد ايه .. يا بتاع القرد ؟
جابر              : سيبنا في حالنا يابيه .
حامل العصا      : أنت ماتعرفش أنا مين  ؟
جابر              : أنت البيه صاحب المال و الجاه .. وآني جابر بتاع القرد .
حامل العصا      : وأنت بتتحد اني .. أنا عايز القرد يرقص يبقى لازم يرقص..
جابر              : ده يابيه .. موش   بمزاجي . لو عاوز حاجه آني أقدر عليها ما أتاخرش .. لكن ده قرد يعني حيوان    
                     جنابك يأخذ أمره من مخه وبس .. صح ياروكي..  ( القرد يؤمي بالايجاب )
حامل العصا      : أنت بتهزأ بيا .. هأشوف مدير الجنينة .. هيردلى  كرامتي أزاي ؟
جابر               :  هو أني غلطت يابيه ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍
حامل العصا      : أنت موش حاسس  باللي بتقوله .. يا مدير الجنينة .. أنت يا مدير
جابر              :  طيب يا بيه .. هو آني غلطت في أيه ؟ لزومها ايه الدوشة دي ؟
حامل العصا      :  وكمان بتزعق لي .. انا حالا هأجيب لك المدير ( يخرج حامل العصا )
جابر              : عاجبك كده يا روكي .. لازما يعني تنشف رأسك .. أديك يا حبيبي هاتوديني  في داهية .
                    ( القرد ينزوي في أحد الآركان داخل القفص ويأكل الموز )
جابر              : أنا والله جعان .. أفتكرت دلوقتي بس إني ما كلتش , لكن أنا نسيت الآكل ..طيب  أكل ايه ؟
                     ( القرد يقذفه ببعض الفاكهة )لا يا روكي .. ده تعيينك ما أقدرش أكل منه .. زمان يا روكي وأنا
                     صغير ..كنت لما أبقي جعان أرخص حاجة أجيب برتقال . أكل وأشرب وأحلي كمان بقرش صاغ
                     ( حامل العصا يدخل وهو يبيع البرتقال .. وقد علق لافتة كتب عليها 1 دولار)
حامل العصا      :  وان كيلو وان دولار
جابر              : يعني بكام الكيلو ؟
حامل العصا      :  معاك كام يا شئ
  جابر           :  معا يا دول ..شوية فكة
حامل العصا      :  دول بس  . . ما ينفعش
جابر              : أصلي لسه منتظر القبض ما قبضتش . . بيقولوا لي لسه محتاج تصنيف .
حامل العصا      : معقولة لسة ما تمش تصنيفك  . . أمال بتجيب الفلوس منين . بتأكل منين . .
جابر              : كلمة في سرك . . أهو اللي بيجي يشوف القرد ويضحك تلاقيهم بيرموه  ببرايز و شلنات
حامل العصا      : آه يعني بتسرق فلوس القرد . .
جابر              :  وهو معقول برضه  يا فندي .. وهو القرد هايعمل أية بالفلوس ..
حامل العصا      :  ها يعمل أيه مش شغلك . . خذ برتقالة . .
جابر              : واحدة بس . . طيب هات كمان واحدة . .
حامل العصا      : لايادوبك كده . . علي قد فلوسك .
جابر              :  طيب عشان روكي  .
حامل العصا      :  العواطف ملهاش دخل في الشغل موش عاجبك إطلع هات من بره .
جابر              :  بره . . لا . . ما اقدرش  . .
حامل العصا      :  كويس يا شئ . . إعقل كده وفتح مخك . .  [يخرج حامل العصا ]
جابر              :  بره . . لا ما أقدرش أخرج . . ما أقدرش أسيب هنا . . إنت تقدر يا روكي . .لكن أنا لا . .
                      آخره مرة جبنا فيه جوز الهند . . كانت من قد أية . . و لا سبايت الموز الاصفر الطويل أبو ختم
                      ان من قد أية . . هو د ه آخر يوم خرجت فيه . .[ يقشر البرتقال ..   القرد يحدث صوتا ]
جابر              :  أيو يا روكي . . عندك حق ما أنا  عايش علي تعيينك . . لازم تدوق معايا  . .
                    خصوصا أن الفلوس فلوسك . . خذ يا رو كي . [ يعطي للقرد برتقال ] . .
                    من زمان كان نفسي يكون صديق زيك . . لكن اللي بره بني آدميين . . إزاي
                   هالاقي زيك . . يا رو كي . [ تتغير الإضاءة بدخول شخصية المحقق , وقد
                   علق لافتة علي صدره كتب عليهاالمحقق ] . .
المحقق             :    قوللى يا أنسان  . . ليه قتلتها . .؟ ؟
جابر              :  ما أقدرتش أتحمل نظرة جاري ليا . . وكل ستات  الشارع واقفين و أنا داخل  طالع. .
المحقق             : وأيه الدافع علي إرتكاب الجريمة . . ؟
جابر              : الدافع  يعني أيه ؟
المحقق             : يعني السبب اللي خلاك ترتكب الفعل
جابر              : آني ماركبتش  علي أفعال . . أني بس قتلت ..
المحقق             : أيه اللي خلاك قتلت ؟
جابر              :  تقدر تقول لي و بالحق . . لو كنت لقيت مراتك مع واحد تاني في سريرك . .هتعمل ايه؟ 
المحقق             :  هأكون اسبور .
جابر              :  أيوه  اسبور  .. كان الموضوع هو الباسبور . . كنت  عايز أسافر  بره . .
المحقق             : يعني عايز تشتغل جاسوس .
جابر              : لا يا بيه  . . كنت ناوي أني أروح أشتغل أريال  . .
المحقق             : إريال إيه ؟
جابر             :  كانت الست بتاعتي . . تقوللي يا جابر . . أنت تنفع تشتغل إيريال . . كنت فاكرها الأول 
                      تقصد إني أشتغل غسالة . . لكن إ تضح  حاجة ثانية . . عرفت الحقيقة  . كل يوم في عز الليل
                      بأسمع صوتها قي الاوضة الثانية وهي تصرخ وقافلة علي روحها البيبان  . . باب أوضتها جوه البيت
                      و الباب الثاني علي السلم بره البيت . . صوت  تقولش حريق . . نار قي  الشجر المخزون . .
                      زي لسع النار في الجسم . وأسمع صوتها  تقوللي . . إطلع  فوق يا جابر .  أرفع الأريال . .
المحقق    :  وكنت بترفع يا عبيط . . ؟
جابر              : رفعته  يا بيه . . لحد ما فهمت . . واستريحت . .
حامل العصا      : وكان أية تصرفك ساعة ما فهمت . .
جابر              :  بقيت بأخذ الكرسي معا يا  وأحطه فوق ، تحت الاريال . واقعد ماسك الاريال لحد ما
                  هي تنادي عليه و تقول خلاص إنزل  يا جابر ..
حامل العصا      : تروح نازل ؟
جابر              : أصلي أنا اخاف إنها تزعل . . أنزل جري . . وش الصبح اخبط عليها عشان أصحيها . .
                    ألقاها تقول لي سامحني يا جابر . . وأنا مش فاهم . .
المحقق             :  [ لنفسه ] الحمد اللة أنا مابضبطش الإيريال  أنا بأ ضبط الدش [ بأعلي صوته ] يتم
                    إستدعاء الزوجة  [ و يخرج ]
جابر              :  [ وهو ينظر نحو قفص القرد ] أيه يا رو كي . . هأ نعمل أية قوللي الحل  يا صاحبي
                     كان يبقي المعقول والمظبوط إني أسكت وأطنش  وأصهين  . . عشان أبقي  أسبور  ..
                    أنا راح أقولك يا رو كي وانت تحكم . . أنا قاعد قي البيت لحد الساعة إثنين بعد نص الليل
                    لغاية ما رجعت من بره .. سألتها وأنا كلي هدوء . . كنت فين ؟  
                            [ تدخل الزوجة ]
جابر              :  كنت فين يا ما يسه . ؟
الزوجة            :   كنت مطرح  ماكنت . . عايز أيه .. ؟
جابر              :   أنا ما أجبلش  إن الحرمة تكلم جوزها بالشكل د ه ..
الزوجة            :  يا شيخ بلا خوته  . . باقولك أية أنا مش ناقصاك . . كفاية اللي أنا فيه ..
جابر              :  فيكى  أية إتكلمي  . . د ه  إنت  حبييبتي  . . هتخبي  علي ؟
الزوجة           :  تعبانه  يا جابر  . . مش قادرة يا جابر حاسة إن عمري بيتسرق مني وأنا معاك  ..
جابر               : مش فاهم يا بنت العلام ولامؤاخذه  . .
الزوجة           :  ولامؤاحذة   . . عشان كده أنا مش قادرة أحقق أحلامي  و ياك .
جابر              : أنا حاسس إني مش فاهم حاجة خالص  . . يا تري ليه يا مايسه ؟
الزوجة           :  عشان فيه فاصل بيني و بينك . . و حاجز كل يوم بيخلي كل واحد فينا جوه
                      دايرة  اهتمامه . . عايش منغلق عن الآخر .
جابر              : أيوة
الزوجة           : والعزلة اللي فرضتها علينا الظروف د ى . . بقت بتشكل سأم وملل في نجاح العلاقة
                   الإنسانية حسب الروابط الاجتماعية الرجعية .
جابر               :  [يؤمي و كأنة يفهم حديثها ] ايوه طبعا . . ما إحنا و لاد عم .
الزوجة                     : ود ه بيشل قدرتي علي الفعل أمامك . . إذ إنك تشكل بالنسبة لي الأنا  الأعلي  .
جابر              : أهو ده كلام العلام اللي بينور العقل . . ويخلي الواحد د ايما مبسوط .
الزوجة           : إسمع يا جابر . . أصبح  من غير المنطق والمعقول أن تستمر هذه الرابطة  . . بمعني
                   إنها أصبحت تفتقد الي الديناميكية .
جابر              :  أنا حاسس إن كلامك حلو وكله عواطف وأحاسيس , لكن مش فاهم من أول الدوائر
                      اللي قلتيها.
الزوجة            : دواير الاهتمام . . تقصد ؟
جابر              :  ايوه  دي  . .
الزوجة                     : شوف يا جابر  . . لكل واحد في الدنيا د ي مجموعة دوائر . . هو المركز المشترك لها كلها
                    زي النواة بالنسة للذرة . . الدوائر د ي هي الاهتمامات أو الهموم اللي بتشكل النيترونات
                      و الالكترونات  .
جابر              : والبروتينات د ي . . يعني . . ما نقدرش  نتكلم عنها بالعربي . . بالبلدي يعني .. يا أخواتي
                     أنا مش  متجوز  فقي ..عايز افهم مراتي  يا ناس .
الزوجة           : لغة الحوار بينا أصبحت معدومة  . . أنا مضطرة أعيش حياتي زى ما أنا عايزة
جابر              : و أنا مش مستحمل إني اشوفك يوم واحد في الاسبوع زي أداء واجب يعني زي شجرة
                     سنط   . . أنا جوزك  ومن حقي ..
الزوجة            : إنت مالكش أي حق عندي  . . أنا اللي باصرف عليك . . كل علاقتي  بيك  عبارة عن
                     ورطة إجبار عائلي . . من غير كده أنا ما استعناش إنك تشتغل عندي .
جابر              :  هي وصلت للدرجة دي  ..
الزوجة            :   وأكثر من كده  . . أنت  ماتنفعش تعيش مع بني آدميين ..
جابر              :       [ يصفعها علي وجهها ]
الزوجة           :   حيوان  . . حيوان  [ تترك المسرح وتخرج ]
جابر              :    أني فعلاً حيوان . . قاعد زي الخنزير في البيت .. قول زي التيس . .  خايف أخرج
  حامل العصا    :   أنت يا حيوان .. سايب شغلك ليه .. و واقف تكلم نفسك .
                              (إظلام )
                             جابر و حامل العصا
حامل العصا      : أنت يا شيء .
جابر              : أيوه  ياسعادة البك  . .انا لي سؤال ؟
حامل العصا      : إتكلم عايز أيه . .؟
جابر              : أول حاجة  . . ليه أنا شيء . . ؟ ثاني حاجة تصنيفي .
حامل العصا      : أول حاجة  ليه أنت شيء .. وهو د ه تصنيفك 
جابر              :  والشيء د ه بيقبض كام  يعني  ؟
حامل العصا      : الانسان  هو اللي بيقبض  . . لكن الشيء ما بيقبضش .
جابر              : طب واكل منين ؟
حامل العصا      : الشيء ما بيشعرش بالجوع . . هي مرحلة صعبة شوية لكن هتعديها .
جابر              : طيب ليه مانعين البياعين من دخول الجنينة ؟
حامل العصا      : كل البائعين بيمثلوا راس مال قوي ممكن نستفيد احنا منه .
جابر             : أنا مش فاهم أي حاجة . . قوللي ليه  يا بيه  . . ؟
حامل العصا      : عشان المستوي العقلي بتاعك علي البلاطة  . .        
جابر               : طب ليه الناس غلاطة يا بيه
حامل العصا      :  لما يكون الناس مع الناس متساويين هنا يكون الزعل مرفوض . . والغلط ممنوع .
جابر              : أنا مش هاسمح لك  أنك تغلط فيا بعد النهارده . .
حامل العصا      :  فين القرد .. ؟
جابر              : ما اعرفش .
حامل العصا      : لغاية لما تعرف يا شيء . . هاتفضل هنا برتبة شيء . . ولما تعرف هننظر  في أمرك . .
                     وممكن  تتحول من شيء الى حيوان وهي رتبة أرقي شوية  .               (إظلام)
                                                    (  الزوجة و العشيق   )
الزوجة            : قلت  لا.. جابر مش ممكن أسيبه د ه قدري .
العشيق           : الوضع د ه أنا مش طايقه حاسس  بضيق شديد . . إزاي تخرجي مع جوزك من غير ماتقولي
 الزوجة          :   هو  د ه يومه حسب الجدول
 العشيق          :   أنا ماليش  د عوه  بجداول  أنا  قلت ما فيش خروج إلا بأذن . . أنت نسيتي و لا أية
الزوجة           :   لا ما نسيتش  . . ما تزعلش .
العشيق           :   لا زعلان  . . وها تشوفي . . أنا مش جاي بعد النهارد ه .
الزوجة           :   لا أرجوك  ما أقدرش . . أرجوك  .
العشيق           :  خلي جوزك  ينفعك . .
الزوجة           :  ارجوك أنا مش هأقولك اقتله ولا حاجة لكن د ه ظرف عائلي . . إبن عمي و
                     مجبره علي  الاستمرار معاه . . رغم إني مش سعيدة معاه . . إلا أنه . .  
العشيق           :  [مكملا ]  درع واقي نداري و راءه بدون خوف . . لسه  الباب جوه البيت مقفول ..؟
الزوجة           :     مقفول . .
العشيق           :  طيب نادي عليه و قوليله .
الزوجة           :  يا جابر إطلع إرفع  الايريال  .
صوت جابر     :  حاضر يا حبيبتي  .
الزوجة           :  صعبان علي
العشيق           : ليكن يا حيوانة . . أية اللي مضايقك من جابر ؟
الزوجة           : أكثر حاجة الست بتكرها في زوجها البخل .
العشيق           :  البخل . .  ؟
الزوجه           :  البخل في كل حاجة .. ممكن سيجارة ..  عايزة  أحس بجوزي كأنه نهر كبير متدفق .. شلال
                      بيشيلني و يغرقني أتوه جواه ومالقاش مهرب ليا إلا قلع من خشب السنط .. امسك فيه لحد
                       مأتعلق به ..يعبر بيه الناحية الثانية ..وأنا مبسوطة و فرحانة .
صوت جابر      :  كده كويس يا حبيبتي  . . ؟
                        [ إظلام ]

                                                        (    جابر مع الام   )

الام               : جابر يا بني  . . الدور عليك يابني . . يا أما تقتله  أو تتقتل  . . التار يا بني .

جابر              : أني رافض التار د ه .. أنا مالي .. جدي قتل اخو جده .. وكانوا عيال بيلعبوا
                   . . عشان لعب عيال يموت عيلتين .. ودلوقتي ما فيش غيري .
الأم               : وهتتقتل  .. بعتوا مصر يجيبوا  عيال أخواتهم .. عشان ييجوا يقتلوك ..لازم تهرب ..
جابر              : أروح فين ..؟
الأم               : روح عند مايسه بنت عمك ..بقالها زمان هجرت البلد مع أبوها وأبوها مات وفضلت هناك وحديها
جابر              : مايسه كبرت يا آمة ..؟
الأم               : بقت دكتوره كبيرة في المجانين و المهابيل .
جابر              : ماشاء الله .. وهي لسه فاكراني يا آمة  ؟
الأم               : أمال يا بني د ي خطيبتك وأنتم في اللفة و لازم تتجوزها د ي بنت في غربة إتجوزها و حافظ عليها
جابر              : أنا حاسس ياأمه  إنها مش هاتقبل .
الأم               : ليه ماتقبلش .. بنت عمك و أنت  أولي بيها .. كده , والاتيجي تقعد في البلد معانا ..
                     وبعدين هي تطول واحد ذيك .. راجل طول بعرض بجمال ناقصك أية ؟
جابر              :  خلاص يا آمة من بكره ها سافر علي واتجوزها .
الأم               :  رجلي علي رجلك لحد ما أدخلك عليها .
جابر              : تعيش يا آمة .
                            ( إظلام )

                                   ( المدير  و  جابر  )

المدير             : لسه مش عايز تتكلم ..قول يا جابر فين القرد ؟
جابر              : أنا ما اعرفش . . ؟ آخر حاجه لما كان البيه اللي باع البرتقال ومشي ..
                    كلت أنا و رو كي .. و بعدها طب مات .. و رحت أبلغ سعادتك رجعت مالقيتوش . .
المدير             :  أنت بتستعبط .. و يعني هايكون راح فين .. الأسد أكله .. ؟
جابر              : إساله  أنت يا بيه أنا مالي .
المدير             :  اللحم بتاع القرد اللي بيأكل منه مرة يبقي عايز منه تاني وثالث .. لكن الأسد
                     مابيكلش لحم القرد رد يا جابر قوللي بصراحة ؟
جابر              : أقول أيه . . ؟
المدير             : أكلت القرد  . ؟
جابر              : لأما أكلتوش .
المدير             : يمكن مراتك ليها رأي تاني .
جابر              :   مراتي ماتت . . من سنين .
المدير             : ماتت إزاي ؟
جابر              : قتلتها ..
المدير             : تحب تشوفها ..
جابر              : ياريت أشوفها.. مايسه حبيبتي .  ( تدخل مايسه  )
مايسه             : أيوه يا أفندم .
المدير             : مدام مايسه .. أية اللي  تعرفيه  عن موضوع جابر مع  القرد .
مايسه             : الموضوع كومبلكس  .. لأن له مرجوع نفسي أو مردود  نفسي .. و مازالت آثاره راكدة
                    في اللاوعي .. وهي الخاصة بالقدرة الجنسية للقرد .
جابر              : أيوه هي مايسه .. أنتي مراتي ..إنت عايشة  .. ؟
مايسه             : أفندم .
جابر              : أنا جوزك .
مايسه             : اعتقد أنني قد سمعت بهذه الكلمة .. أين .. أين .. معذرة .
جابر              : جابر جوزك .. أبن عمك .
مايسه             : معذرة ..لا أعرف هذه الكلمة .. أبن عمك .. لحظات من فضلك [ترد ثانية ]
                    أبن عمك .. أبن العم .. هو أبن شقيق الوالد .. كلمة واحدة .
جابر              :   تيس .
مايسه             : تيس شكرا .. أي خدمة يا أفندم .
المدير             : أريد تقريرا عن حالة جابر .
مايسة             :  جابر غير محدد العمر .. له ملامح تنتمي الي الجنس الاري والقوقازي والسامي و الحامي ..
                    وهو إنسان سابق ..بدأ في التحول قي السنوات العشرين الماضية ..وهو الأن في الطور الاخير
                    من تحوله ..وحسب نظريات داروين .. التطور الطبيعي للأنسان هو الجنس الأرقي .. السوبر
                    ..حيث الكوكاكولا ..عذرا حدث تداخل في الموضوعات . جابر يحتاج إلي تدعيم القدرة
                     الجنسية ..ولذلك فمن الاغلب إنه أكل القرد . 
جابر               : ما حصلش .. وبعدين قالت من الأغلب .. يعني مش أكيد .. أني كلت القرد ..أية
                   أيه اللي حصل ؟
المدير   : من الواضح إن في تأثير نفسي .
مايسه             : تأثر نفسيا من القهر الذي تعرض له من جميع ا لأطراف .
المدير             : تحليل سليم .
مايسه             : وهذه الضغوط الي جانب عقد الطفولة و ذكريات الماضي ..وطلقات الرصاص أثرت
                     عليه أيضا .
جابر              :  يعني أيه ؟
مايسه             :  يعني الخضة .. و الي جانب الحياء .. شكلت لديه عقدة لم يستطع زواجه من إبنة عمه
                      حلها بل زادها تعقيدا .. فكان هروبه الي عالم الحيوان .. هروبا من هذا الواقع الإنساني
                      المؤلم .. هذا علي المستوي الظاهري .. أما داخليا في مستوي اللاوعي ..البحث عن
                      التعويض عن العجز .
جابر              :  مش فاهم .
مايسه              : حصل له نوع من الإحلال مكان القرد .. فكانت النتيجة أنه تخلص من القرد وأكل أعضاءه
جابر              : ماحصلش  .
المدير             : لا حصل .. وأنكارك فيه نوع من الغباء ..لأن كل حركاتك مراقبة .
جابر              : يعني عارفين كل حاجة .. عايزين أيه ؟
المدير             : عايزين نعرف اللي في دماغك ..تسمح لنا نأخذ دماغك شوية بره .
جابر              :  إتفضل .  ( المدير يذهب لينزع رأس جابر )     ( إظلام )
                              ( جابر و العشيق )
جابر              : الوقت إتأخر.
العشيق           : أنا مش عارف أية  اللي أخرها لغاية دلوقتي .
جابر              : واضح إن حضرتك قلقان عليها .
العشيق           : إحساس بالمسئولية تجاها .. لأن عمرها العقلي ما زال في مرحلة النمو ..لم ينضج بعد
جابر              : وحضرتك تعرفها من زمان .
العشيق           : أيوه كنا زملاء أيام الجامعة ..أنما بتسأل ليه .. ؟
جابر              : أصل أنا أول مرة أشوفك .. وعمر مايسه  ما كلمتي عنك .
العشيق           : مش ممكن .
جابر              : أصلها ما بتخبيش  علي حاجة .
العشيق           : أنت بتقول أية .. ؟ ما يسه مابتخبيش  عليك حاجة .. ؟
جابر              : ايوه كل حاجة .
العشيق           : وماقالتش أنا مين ؟ ازاي أنت كذاب .
جابر              : كذاب .
العشيق           :  ايوه لأن مايسه من المستحيل  أن يكون في بينها وبينك علاقة لإختلاف الفكر بينكم ..
                     هي أنسانة  متحررة .. وأنت شخص من زمن مضي .
جابر              : لا الظاهر أنت ما تعرفنش .. أنا نسيت أقولك …  أنا جابر جوزها .
العشيق           : عارف إنك جابر … 
جابر              : مين  قالك .
العشيق           : عشان تعرف إنها ماتخبيش عليا حاجة أبدا … حلوه الصورة كده يا حبيبتي  [يقلد جابر ]
جابر              : واضح إنك عارف.
العشيق           : وعندي الحل . . أنت محتاج علاج وعلاجك بيستخلص من القرد ..,المدام إتاخرت
جابر              : ما تقلقش زمانها جايه .. إزاي العلاج وعلاج من أيه ؟
العشيق           :   من الحالة الى عندك .. أنا عارفها كويس .
جابر              :  بس دي حاجة ما بتتقالش ..إزاي مايسة تقول دي مفروض إنها ستر وغطا عليا .
العشيق           : إوعي تكون فاكر نفسك جوزها بجد .. انت مجرد برفان ستار .                                             جابر                        : أنت بتهيني في بيتي 
العشيق           : دي مش إهانة دي حقيقة يا شيء
جابر              : إمش إطلع بره .. قبل ما أتطاول عليك .. راجل عايب بصحيح .
العشيق           : [يضحك وتتحول  ضحكاته الي هيستيريا ويختفي علي أثرها .. ويظهر حامل العصا وهو       
                     يلبس بالطو أبيض وقد وقف يرد علي التليفون ]
حامل العصا      : أيوه .. أيوه .. الحالة صعبة شوية.. بس بخير .. حالة ذهان وعصاب وفقر دم يؤدي الي
                    انفصام في الشخصية بيتصور نفسه قرد .. ودي حالة غريبة علي أنا بقالي باعالج المجانين
                   عشرين سنة ..أول مرة أشوف مجنون عنده هوس جنسي من النوع الحاد .. أيوة هأخلص
                   عليه و هافضي  لك يا حياتي .. عقبال ما تيجي ..[ يضع سماعة التليفون ويلتفت لجابر ]
                   أيوة يا  جابر أتكلم ..
جابر               : الحيوان أفضل منا ..  ما عندوش مشاكل في أي حاجة .. بيتجوز ويعيش ويخلف .. وكل
                    حيوان بيحترم الحيوان اخوه ..ما بيفكرش يأخذ منه مراته ..يأخذ منه عيشه وأكله وعشه
                    لكن مراته لأ اشمعني إحنا ؟
حامل العصا      : ركز معايا شوية ..إحنا مين ؟
جابر               : إحنا الحيوانات .
حامل العصا      : الهي يشردك ويفرج عليك خلقه ..يا بني صدقني أنا مش ضدك .. تقصد ايه باللي بتقوله
                    ..انا الدكتور اللي بيعالجك ..لازم تكلمني وتفهمني ..انت ليه خصيت القرد ؟
جابر              : مايسة
حامل العصا      : مايسة مين يا حبيبي ؟..ركز معايا شوية
جابر              : مرات التيس
حامل العصا      : طب قول حروفها تاني .. اسمها إيه ؟
جابر              : مايسة
حامل العصا      : جميل .. ركز معايا شوية .. مين التيس ؟
جابر              : التيس ده حيوان له قرون
حامل العصا      : أيوه عارفه ..مالك وماله .
جابر              : ما هو أنا التيس .
حامل العصا      : الله يقلب دماغك .. يابني أنا مش ناقصك .. أنت لاسع ..إرحمني .. ركز معايا شويه
جابر              : اكتشفت يا بيه إنها خاينة .. ومع مين .. مع صديق عمرها .
حامل العصا      : طب ما فيش غلط لغاية هنا .. كمل
جابر              : بقول خاينة .. تقول ما فيش غلط .
حامل العصا      : ده المعتاد يابني  تخونك مع صديق عمرها .. أنت قلت عمرها ..آه هنا الغلط .. يمكن لو
                    كان مع صديق عمرك كان إختلف رد الفعل شوية .. إحكي لي يابني من الأول بالتفصيل
                    عشان أنا شاكك في أخلاقياتك .. كان لازم تبقي أسبور .
جابر              : الباسبور .. كنت راجع من الجوازات بعد ما أخدت التأشيرة .. كنت سعيد فرحان لأني
                    مسافر أكون نفسي بفلوسي مش بفلوسها .. وبدأت أحس بالدنيا مش سايعاني .. إتصلت
                    بيها في التليفون .. السماعة تترفع وتتحط تاني .. قلقت عليها ..جريت علي البيت. 
[ تدخل الزوجة و العشيق في المنظر ]
العشيق           : أيوه مين الرخم اللي عمال يتصل بينا .. عايز إيه ما بيزهقش ..مين ده يا هانم .. ردّي علّيا ؟
مايسة             : مش عارفة .
العشيق           : [ يصفعها ] مش عايزة تقولي مين .. ؟
الزوجة           : ما أعرفوش .
العشيق           : كل مابأرفع السماعة .. أسمع صوت بينادي و يقول .. مايسة ..
الزوجة           : صدقني ما أعرفش .. المهم أهلي بعتولي من البلد .. لازم نرجع أنا و جابر نعيش هناك خلاص التأر
                     خلص ..
العشيق           : و هتعملي إية هاترجعي البلد .. ؟
الزوجة           : لا مأقدرش اتخنق أموت أنا مستنية لما جابر يطلع بره .. و ساعتها هو كمان مش ها يعرف طريقي
جابر              : [ يدخل ] تفتكري يعني الموضوع سهل كده .. ؟
الزوجة           :  جابر .. إية اللي جابك .. ؟
جابر              : جيت ربنا بعتني عشان أشوفك يا فاجرة أنت و عشيقك ..
العشيق           : أصبر بس يا حيوان ها أفهمك .. العلاج اللي قلت عليه .
جابر              : [ يرفع بندقية و يطلق رصاصات ][ يختفي العشيق و الزوجة ]
الطبيب           : أنت دخلت البيت متسلل .. دي جريمة .
جابر              : جريمة أيه .. ده بيتي .
الطبيب           : مهما كانت مراتك بتخونك .. ده ما يدلكش الحق إنك تقتحم عليهم خلوتهم .. إنت إية ما
                     عندكش إحساس .. ما عندكش دم .. ركز معايا [ جرس التليفون يرن ]
الطبيب           : أهلاً ..أهلاً يا حبيبتي .. بتتكلمي منين .؟ من هنا بره في الصالة ..
                  لا تعالي يا حبيتي هأوريلك واحد تحفة .. خشي ..      [ تدخل الزوجة مايسة ]
الزوجة           : أوروفوار ..
                    [ تسير نحو الطبيب .. تقبله ]    [ إظلام ]
اللوحة الأخيرة المسخ
المدير             : أنت يا حيوان .. فين القرد .. ؟
جابر              : القرد كان عاوز يأكل برتقال .
المدير             : و بعدين ..
جابر              : و ما عرفش اللي حصل .. لقيته بعد شوية قعد يتنطط و يخبط
                  دماغه في القفص .
المدير             : و هو فين دلوقتي . ؟
جابر              : موجود .
المدير             : حد يأكل القرد برتقال .. إنت مجنون .. هو اللي قال لك ..؟
جابر              :
لا يا بيه .. هو معقول القرد يقول حاجة زي كده .. دي حتي ما يصحش .
المدير             : و أنت جبت البرتقال منين .. ؟
جابر              : اشتريته من البياع .
المدير             : إنت كداب .. أنا مانع دخول البياعين الجنبنة .
جابر              : كان موجود من شوية .
المدير              : الجنينة بتاعتنا ما بيدخلهاش أي بائع متجول .
جابر              : برتقال يابيه .
المدير             :كداب ..
جابر              : أني مش كداب يابيه .
المدير             : حالاً هانشوف كداب و لا لأ .
                  ( يصفق يدخل حارسان .. كل منهما يحمل فوق رأسه قناع  حيوان . )
الحيوان 1        : لا سيدي .. لا يوجد باعة جائلين .
الحيوان 2        : ده مدعي منافق .
جابر              : إنتم مين .. أني أول مرة أشوفكم .
الحيوان 1        : لكن إحنا عارفينك كويس .. من لحظة ما اتولدت .
الحيوان 2        : من لحظة لما لسانك مأمأ ..
المدير             : أو هوْهوْ .
الحيوان 1        : أو نقنق .
الحيوان 2        : أو سأسأ .
المدير             : أو نهق
جابر              : أني مش فاهم .
الحيوان 1        : إنت بتستعبط .
الحيوان 2        : لا ده إنت بتستهبل
المدير             : أو جايز عايز تهزّر
الحيوان 1        : أو عاوز تتمنظر .
الحيوان 2        : أو عايز تتمظهر .
جابر              : برضك مش فاهم .
المدير             : أنا ها أفهمك ... المعروف إن الجنينة مافهاش فواكة تتباع .
جابر              : أنا شوفته .
المدير             : لا ما شفتش .
الحيوان 1        : أنت كفيف .
الحيوان 2        : لا أنت أعمي .
جابر              : جه هنا .. أنا شفته .. وشفت البرتقال .. وكان عمال ينده و    يقول  :
 (  حامل العصا و قد ارتدي زي بائع البرتقال و معه العربية )
حامل العصا      : وان كليو وان دولار أورانج .
جابر              : سامعين .
الحيوان 1        : أنت أطرش .
الحيوان 2        :  مابتسمعش .
جابر              : طيب بُصّوا .
الأثنين            : مش شايفين   ( يحاول جابر أن يتكلم يقاطعونه ) .
الأثنين            : ما تضيعش وقتنا .
الحيوان 1        : احنا ناس دماغنا متكلّفة
الحيوان ‌ 2       : ايوه دماعنا متكلفته
المدير             : ( وقد عاد لمنظره السابق ) و ديت القرد فين .. ؟ زمان اللجنة  جاية  .
جابر              : لجنة إيه ؟
الحيوان 1        : لا ده أنت ناوي تكسفنا .
الحيوان 2        : أو ناوي توكسنا .
الحيوان 1        : أو ناوي تنكسنا .
جابر              : أني مش فاهم ..
المدير             : فين القرد .. ؟
الحيوان 2        : آخر حاجة  قلتها موجود .. موجود فين .. ؟
الحيوان 1        : بعد ما أكلت القرد البرتقال راح فين .. ؟
المدير             : ( يدق علي رأس جابر ) .. راح فين ؟
الحيوان 2        : إنطق رد يا بجم .
الحيوان 1        : إحنا مش عايزين نأذيك … بص يا شئ الموضوع في غاية الأهمية .. في غابة الأمبورتاتت .
الحيوان 2        : ممكن نروح كلنا في داهية .. فهمت .
المدير             : نهاية اللف و الدوران .. أنا عندي لجنة يعني لازم تيجي اللجنة  تشوف القرد .. دي صفقة
                      كبيرة و موش هأسمح إنها تضيع عليا مهما حصل ..
الحيوان 1        : طبعاً .. طبعاً مهما حصل .
الحيوان 2        : حصل .. حصل .
المدير             : أنت إيه فقدت النطق ؟
الحيوان 1        : أحسن برضه
الحيوان 2        : و لا يكون النطق فقدك .
المدير             : ما هو لو موش هاتتكلّم .. يبقي قطع لسانك أحسن .
الحيوان 1        : فكرة برضك .. قطع لسانك .
الحيوان 2        : حتة لحمة طرية في بقك .. مالهاش لازمة .
المدير             : رأيك إية و لا نربطه و نلفه و نحطه جوه بقك ( جابر يحاول أن يتكلم فلا يستطيع )
الحيوان 1        : أعتقد إن الشئ عاجبه كل اللي اقترحناه
الحيوان 2        : أنا برضه باعتقد .. لكن ليه  ما بيتكلمش .
المدير             : أنت يا شئ .. لو مش قادر تتكلم بربش شاور لو كنت فاهم .
الحيوان 1        : فاكر الحمار اللي قطعنا له و دانه .
الحيوان 2        : ياه ده كان حتة منظر .. عظيم .
المدير             : ( يتنحنح )
الحيوان 1        : لكن طبعاً مش اعظم منك .. عايز يدوق لحم و دانه .. ( جابر يتحسس أذنيه )
الحيوان 2        : كانت ودنه طريّة طويلة .. عاملة زي الإيريال ( جابر يشير بيديه إلي نفسه ) أيوه أيوه ..     
                   نفس وظيفتك .. بس كان طعمها يجنن .. بس بيقولوا حرام أكل لحم الحمار .
الحيوان 1        : أيوه طبعاً لحم الحمار حرام ,, قولها و رايا .. لحم الحمار حرام  ثلاث مرات .
المدير             : بس كفاية .. اتكلم يا جابر    ( جابر لا يستطيع الكلام )
المدير             : يعني كمان مش عايز ترد علّيا .. مش عايز تعبرني  ( جابر يشير له بالنفي ) إيه مش سامع
                    .. و لا عايز توصل صوتك للأمم  المتحدة . مافيش فايدة .. صوتك خلاص (جابر يشير
                     له بالنفي)  مش سامعني .. فكرتني يا حيوان منك له .
الحيوان 2        : بيقصدك إنت يا حيوان 1 .
الحيوان 1        : لا أنت يا حيوان 2  .
المدير             : أنتم الأثنين .. هاتوا ودانه اقطعوها .  ( جابر يشير له بالنفي ) أنت سامعني يا جابر ؟
                     ( جابر يشير له  بالنفي ) تبقي سامعني .. هاتوا ودانه .. اللجنة خلاص علي و صول ..
                      فين القرد .. مش عايز ترد علّيا يا جابر .. يبقي أنت قتلت القرد ( يفتح القفص 
                       …يدخل جابر فيه ) هاتوا اللجنة .
                      ( تدخل اللجنة و فيها حامل العصا .. العشيق .. الزوجة و الحيوان 1 و الحيوان 2
                       يرتدي كل منهم قبعة .. اللجنة تدور  حول القفص و قد اتخذ جابر شكل القرد في
                       حركاته ) .
اللجنة            : السلالة أصيلة  ؟
المدير             : طبعاً .
اللجنة            : القدرة الجنسية ؟
الزوجة           : معدومة .
اللجنة            : القدرة العقلية ؟
الزوجة           : معدومة .
اللجنة            : القدرة العضلية ؟
الزوجة           : زي الثور .. يجر ساقيه .
اللجنة            : اتفقنا فاضل حاجة واحدة بس .. الجنسية ؟
المدير             : جاهز للتشكيل حسب نوع و لون العلم المطلوب .
اللجنة            : اتفقنا .. تتم الصفقة .. عايزين منه مبدئياً مليون نسخة .
( يتجمع أعضاء اللجنة جميعاً و يحملون القفص )
                 مليون نسخة ..مليون نسخة
                                   إظلام النهاية
�� Te� � � �= span>          قيها ثم تهيل الثلج عليّ مرة أخري .
الشاب         : آه لقد أفتكرت تلك هي نظرية الرفيق الخيال . لا..لا إنه كان
                  لعب أطفال .
الفتاة           : وهل كان حبنا أيضاً لعب أطفال .
الشاب         : [ يضحك ] على الأقل بالنسبة لي .
الإبنة           : وحينما كنتما تعبئون بطني بقصاصات الورق و قطوف القطن
                  وتخيطان أطرافي بخيوط متعددة الألوان كان ذلك أيضاً لعب
                  أطفال . [تتجه نحو الفتاة ] وأنت يا سيدتي ، كنت تنزعين ثيابي
                  وتبدلينها بأخري ، و الآن ما هو الحل ؟
الشاب         : أنت إبنتي ؟
الفتاة           : وأنا … ألا تعترف بي ؟
الشاب         : حينما كنت أعود من المدرسة أحمل حقيبتي الجلدية، كنت أراك
                  في شرفة منزلكم تسترقين  النظر إليّ .
الفتاة           : كنت أعشق ذلك الجندي  ، حين يرفع مشعله ليوقد تلك
                  المصابيح على جانبي الشارع ، و أراك مستنداً على أحد الأعمدة   
                  كفتيات الليل .          
الإبنة           : أرجوك يا أبي لا تتركني وحدي في هذا العالم الموحش .
العجوز         : لم أعد اسمع صرير العجلات فوق القضبان الحديديه ، يبدو
                  أن القطار توقف .
الجرسون       : شئ لا يصدق أنظر من النافذة .
العجوز         : ماذا في الأمر [ ينظر من النافذة ] القطار يترك القضبان ويمتد
                  بمقدمة في الفراغ .
الشاب         : [ يضحك حتى يستلقي على ظهره ]
العجوز         : [ تتحول نبرات صوته إلي ترانيم ] في هذا الركن المنزوي أجلس
                  أمام قنديل الزيت .
الشاب         : [ مازال يضحك ]
العجوز         : وأمام محراب المعبد ، في داخل الجبل المظلم لا يؤنس و حدتي
                  سوي ترانيم الأخوة يتردد صداها بين الجدران .
الشاب         : الجدران .. أن جدران هذا الكازينو أشبه بالزنزانة .
الجرسون       : لماذا لم تأكل .. ؟
الشاب                 : أشعر أن الخرز الذي تضعونه في الطعام غير ناضج [ يتقزز ].
العجوز         : أنها حبات الكريز .
الشاب         : حبات ماذا ؟
العجوز         : حبات الكريز الناضجة ..
الشاب         : إذا كانت حبات الكريز كما تقول [ بتقزز] فلماذا إذا تفور منها
                   الديدان بغزارة و كأنها أذيال عقارب [ يقضم منها ثم يبصق ] .
                  [يدخل الجرسون ]
الجرسون       : آه هذا هو غذاؤك الذي تعودت عليه ، ولا يوجد في هذه البلده
                  سواه
الشاب         : يعني لا يوجد لديكم سوي حبات الكريز المحبلة بالدود .
الجرسون       : لا أبداً لدينا تنويعات من الوان الطعام ، و لكن … هذا لا يعفيك   
                  من تناولها بالدود .
الإبنة           : لم أتناول حساء الضفادع في برج أيفل كما تعودت كل صباح .
الفتاة           : أن أباك صار نحيلاً جداً منذ تركني وحيدة على أسفلت الطريق
                  و مضى و الدم ينزف من عروقي بغزارة .
الإبنة           : بعد رحيلك عني أصابتني الحمى الشديدة ، وتحلل جسدي إلي
                  كرات حمراء صغيرة .
الشاب         : [ يواصل الأكل ] إن لحبات الكريز مذاق غريب حلاوته مع
                   سخونة في فمى ..دم .[يبصق ]
الإبنة           : وأنتشر الدود في تلك الجثة المدفونة تسبح في ماء البحر المنصهر
                  بفعل الطاقة الإنفجارية الهائلة الناتجة عن انشطار الذات .
الشاب         : لم أكن أدرك أن مصير تلك الخرق البالية سيئول مصيرها إلي لحم
                  و دم [ يلوك ويبصق متقزز ] دم ..
العجوز         : لا تتحركوا حتى لا تهتز الصورة ، من بين هذه الجدران المقدسة
                  جاءوا بخنزير أبرص ، وسحلية رقطاء وقد التهمامعاً    حقول البرسيم
                  الخاصة بملحقة الكهف .
الإبنة           : تلك الحبات التي يلوكها فمك هي بقايا جسدي المتحلل
                  [ تقع الإبنة على الأرض ]
الفتاة           : أنظر ماذا فعلت بإبنتنا ؟
الجرسون       : لا تنظر إليها فطعام السجن لا يعوض ، قد تنظر في أي أتجاه
                  فتضيع منك الرؤية ، فتغفل عن رؤية تلك الحبات التي لن تظهر لك
                  سوي في الظلام الدامس .
الفتاة           : حين يشعل ذلك الجندي مصابيح الغازعلى جانبي جسدي  لا  
                  سيما أن جسدي النحيل داخل قنينة غاز.. .
الشاب         : تلك النار التي أستشعرها كلما أقتربت مني أمي لتطبع على
                  جبيني قبلة المساء تنطلق من عين أبي ..
العجوز         : وحينما يأوي هذا القارب بين شقي النهر، وتندفع الأسماك في
                   شبكة هذا الصياد الفقير ليطعم أطفاله .
الشاب         : كان أبي حينما أنتظره يأتي بالطعام كل ليلة يحمل تلك البلطة ..
                   لعل السبب في موتها هو نقص الأكسجين بسبب الطين [ مشيرا
                    للإبنة ]
الفتاة           :  أتباه لا تتركه قبل أن يعترف بجريمته النكراء .
العجوز         :  لن تموتي يا فتاتي ، لماذا سرقت الذهب ؟ تكلم قبل أن يفور
                   بركان فيزوف .
الشاب         : لعله يقذف عليك حممه لتصب عليك الذهب المنصهر ليغلي
                  فوق رأسك فيحيلك إلي تمثال من الجرانيت .
الفتاة           : [ وهي تحتضر ] فيصير بين يديك تراباً فقد أعطاني حفنة من
                  التبر الخالص و أمرني أن أرشها فوق تلك الأراضي البور .
                   [ ثلاث دقات من المثلث أو جرس ]
الشاب                 : ما هذا  هل بدأت الأناشيد و الترانيم ..آه لعل الله يغفر لنا
                  .. ماذا حدث لها نامت ، أوف .. ما هذه الرائحة العفنة .
العجوز         : [ يترنم ] وحين تأوي إلي فراشك ليلاً ، فتذكر هذا العجوز
                  المسن الذي حملته على سفك الدم ، وروضت خياله كما يروض
                  الفرس الجامح في يوم مطير .. [ يحتضر ] آه لا أجد هوء اً
                  أتنفسه .. لم تعترف_ وحريتنا كلنا معك _ بالخطيئة .
الشاب         : أبي  أيها العجوز … التنفس …  التنفس … أين ذلك الجرسون   
                  النحيل كان هنا ، سأقتله حين آراه لابد أن أخرج من هنا قبل أن
                  أموت .
                   [ الجرسون يدخل وقد صار سميناً جداً ]
الجرسون       : هددت بقتلي ؟
الشاب         : لم أكن أنوي القتل .
الجرسون       : على الثلج بدت خطواتك واضحة الأثر .
الشاب         : ملأ الطين قدماي رغما عني فقد التصق بحذائي .
الجرسون       : أين رأيتك أخر مرة .
الشاب         : في مصنع النسيج والحلوي .
الجرسون       : كيف تقتلني وقد كنت أعاملك كإبني .
الشاب         : لم تكن رحيما بي .
الجرسون       : كنت تتقاضى راتباً مجزياً ، يقضى إحتياجات قرية بأكملها .
الشاب         : لم أحصل على سنت واحداً طوال خدمتي في هذه المؤسسة
                  العملاقة .
الجرسون       : لماذا تنكر .. ؟
الشاب         : لم أسرق .
الجرسون       : أنت أحمق سرقت دولارتي .. فلم يعد هناك عملة غيرها00
الشاب         : أنا لم أفعل .. لم أفعل .
الجرسون       : أين بقية الأخوة
الشاب         : هل ماتوا جميعا من هذه الرائحة العفنة… لا .
الجرسون       : لا يوجد هواء ، سنموت حتما ، ولن نعرف باب الخروج من هنا
                  أبداً .. أنتظروني  يارفاقي .
                   [ يرقد الجرسون بجوار المجموعة ويموت ]
الشاب         : [ يجري نحو الجرسون ] أخبرني بالمخرج من هنا قبل أن أنتهي
                  أيضا .. ماذا فعلت حتى ينساق هؤلاء إلي الموت من أجلي ..
                 من على صواب منا ؟ .. هل أجرمت في حقهم .. هل آذيت
                مشاعرهم .. لا يوجد إلا أنا و الصمت .. وهذه الرائحة العفنة
                 و آهات الموتى [ لحظات الصمت ] يا لبؤس العالم بي  هل كل
                 هؤلاء القتلى من جراء أفعالي .. ولكن لم أعد أتذكر شيئاً فأنا لم
                 أخطىء حتى ينجر كل هؤلاء إلي الموت بسببي ، والآن لا يوجد في
                 هذا العالم إلا إياي وتلك الجثث المتعفنة ، ففيم بقائي إذن .
                 سألحق بهم فلا سبيل لطعم  ولا مذاق لهذا العالم بدونهم مهما
                 بلغت قسوتهم .
                 لن أنتظر الموت ، سألحق بهم حتى يتخلص مني العالم ويتطهر .
               [ يمسك بالحبل اللذي قد تدلي من أعلي ، ويضع رقبته فيه ويقف    
                 على كرسي  ليتعلق فيه ثم يموت ، الجميع ينهضون وهم
                يضحكون ويمسكون  بالحبل حتى يلامس الشاب الأرض ويحلون
                وثقافه ثم يلتفون  حوله ]
العجوز         : أيها الشيطان بارك هذه الفطيرة المقدسة حتى يرتوي ثعبان الجحيم
                 ويلتف على غصن الزيتون  .
                 [ يرتلون خلفه ثم ينقضون عليه ويأكلونه ]
ستار