الجمعة، 13 يوليو 2012

فوبيا الكاميرا والمرايا المتوازية بقلم : ملحة عبدالله



لفوبيا الكاميرا مكان واضح على المستويين المؤسسي والمجتمعي، ولكنهما نقيضان مستويان على سطح المرآة العاكسة، فالأولى مبرراتها هزيلة وزائفة، والثانية مبررة ومقبولة لأنها تصبح شديدة الخطورة على المجتمعات التقاليدية التي وجب احترامها لقد تداول النقاد مصطلح المرايا في تيار نقدي حديث، في محاولة سبر أغوار الواقع من خلال الأعمال النقدية، وسُطرت كتب عديدة بين المرايا المحدبة والمرايا المقعرة، فقد حظيت صورة المرآة بذاك الاهتمام الشديد في الدراسات الأدبية في المجال النقدي في النصف الثاني من القرن المنصرم، ومنها مفهوم المرايا المسطحة أو المستوية، ولهذا فقد فرض الموضوع نفسه، الكاميرا والمرايا المتوازية، وما تحدثه من عوامل نفسية في جوانب مجتمعاتنا.. "فهناك أربعة أشكال وأوضاع معروفة للمرايا، المرآة العادية حينما تكون منفردة، تعكس كل ما يوجد أمامها في صدق وأمانة دون تزييف أو تشويه أو مبالغة وسميت بالمرايا المستوية. أما المرآتان المتوازيتان فتقدمان صورا لا نهائية لكل ما يقع بينهما في متاهة خداعة ووهمية. والمرآة المقعرة، تقوم بتصغير الأشياء بشكل مخل يشوه حقيقتها لكن المرايا المحدبة تقوم بتكبير كل ما يوجد أمامها وتزييفه حسب زاوية انعكاسه فوق سطح المرآة".  فإذا ارتأينا أن المرايا المقعرة والمرايا المحدبة والمتوازية والمستوية هي أدوات نقدية لعوالم المجتمع، فإن الكاميرا ـ الإعلام المرئي ـ في يومنا هذا هي أداة من أدوات المرايا المستوية كما يجب أن تكون، إلا أنها تتحول في عالم تسوده فوبيا الصورة إلى مرايا متوازية كما صنفها النقاد الحداثيون. بما تحمله من خواص المتاهة الخداعة والوهمية في ظل هذه الفوبيا. وللصورة المسطحة مفعولها السحري في التسلل إلى الوجدان الجمعي وهنا تكمن الخطورة.  فللكاميرا سحرها ولها عنفوانها في الكشف عن أغوار النفس الداخلية قبل الخارجية وبالتالي المجتمع، ولعل الاهتمام بالتفاصيل الخارجية عامل حرفي فُتحت له أبوب الجامعات والأكاديميات العربية والعالمية للتعامل مع التأثير والتأثر بزواياها وحركاتها وأنواع إضاءتها في أطياف المجتمع، لأن تلك خاصية من خواصها الانعكاسية ولها مدلولاتها العتيدة في التأثير على من يتلقاها. ولهذا كان السؤال الملح وهو: إلى أي مدى يتعامل مع الكاميرا المسؤولون من كوادر وشخصيات عامة وأعلام دول بعد أن تسلل نوع منها إلى أبعد مما يجب؟ ولقد دأب العامة على استقبال الكاميرا بنوع من التحفز وأحيانا نوع ثقيل من التزيي ولبس القناع خوفا وتأمينا من تسلل خواصها لكشف أغوار النفس وما يدور في بواطن الوعي، وفي ردهات المؤسسات الأهلية منها والرسمية. تلك مشكلة كبيرة في ارتداء القناع، ولهذا فقد ظهر فيلم "اضحك الصورة تطلع حلوة" لأحمد زكى عام 1999 لكي يكشف قناع مجتمع بأكمله بما له وما عليه. لأن في موروثنا النفسي أن يضحك المرء أمام الكاميرا فور التقاط الصورة، لكي يخفِ ما يظهره عما يبطنه وهنا تكمن الخطورة في إعلامنا الحالي. ولعل الكاميرا اليوم من أهم عوامل الخوف الذي قد يصل إلى حد الفوبيا لدى كثير من الشخصيات العامة، فلم يعد الأمر كما تعلمه ودرسه الدارسون والمتخصصون في فنون الزوايا واللقطات بحسب ما يقتضيه الخبر الصحفي إذا ما اعتبرنا أن الصورة في حد ذاتها خبر صحفي حسب مقتضيات الخبرة الصحفية في فنون الخبر وأدواته، ومن جهة أخرى أصبح الأمر أشد ضراوة وأكثر جرأة إلى أن يصل إلى التعدي على الحقوق الشخصية والحياة الخاصة. حتى أصبح في حياة المجمتع العربي برمته شبح هذه الفوبيا، فأصبحت تلعب هذه الفوبيا على مستويين: المستوى الأول: على الصعيد المؤسسي.. المستوى الثاني: على الصعيد المجتمعي. فإذا ما تطرقنا للمستوى المؤسسي في الوطن العربي فسنجد أن هناك العديد من الشخصيات العامة ترفض فجائية الكاميرا خوفا من المرور بين الحقيقة والقناع، وتجنبا لأهم خاصية من خواص المرايا المستوية التي تكشف الحقيقة كما هي دون زيف أو مواربة، حينها نقع جميعا كمجتمع في منطقة المرايا المتوازية بما تحمله من خاصية المتاهة الخداعة والوهمية، بالرغم من أن ثقافتنا العربية والإسلامية تأسست على مراقبة الذات في السر والعلن لمن تحمل عبء المسؤولية، فحين يصبح الإنسان في مصاف الشخصيات العامة فلا بد أن يكون ظاهره باطنه وباطنه ظاهره ويعلم أن لكل فرد في مجتمعه نصيبا في أدائه وتصرفاته وأخلاقياته وعاداته وتقاليده، ومن هنا يتحتم عليه أن يجعل من ظاهره مرآة لباطنه لأن الكاميرا أصبحت في مفهوم المرايا المسطحة الكاشفة لبواطن الأمور ولم يعد لنا سبيل لتقبل فكرة ومقولة "اضحك الصورة تطلع حلوة". فلمذا إذا تلك الفوبيا التي نلحظها على كل من تبوأ مركزا مرموقاً؟ ولماذا يتحتم علينا أن "نضحك للصور لكي تطلع حلوة"؟ فالكاميرا يجب أن تتحرك بدون استئذان في كل ركن من أركان مؤسساتنا العربية والمحلية بدون خوف، لأنها منا وإلينا ومن خاف منها أو ترقبها أو استعد لها كان من المقنعين الذين يرفضهم المجتمع بأسره، لأنهم من فئة أو من جماعة "اضحك الصورة تطلع حلوة" بينما قد يكون في داخله بكاء ونحيب وتشنج لا يعلمه سواه. أما على المستوى المجتمعى فالعكس هو الصحيح، من زاوية الحرية الشخصية واحترام خصوصية الفرد وخاصة في مجتمعاتنا العربية ذات الحدود والخطوط الحمراء، التي أصبح للفوبيا الكاميراتية فيها قسط كبير حرصا على شديد الخصوصية والحرية الشخصية في هذه المجتمعات، ولذلك نرى لهذه الفوبيا مكانا واضحا على كلا المستويين المؤسسي والمجتمعي، ولكنهما نقيضان مستويان على سطح المرآة العاكسة، فالأولى مبرراتها هزيلة وزائفة وغير مقبولة إلى أبعد مدى، والثانية مبررة ومقبولة لأنها تصبح شديدة الخطورة على هذه المجتمعات التقاليدية التي يجب أن نحترمها ونقدرها، إلا أن كليهما يستويان بمرارة شديدة على سطح مستو من الفوبيا العاكسة لدواخل النفس وللمجتمع بجميع مستوياته. 


جريدة الوطن

الأخلاق فطرة أم اكتساب؟ بقلم : ملحة عبدالله





هل سأل أحد منا نفسه قبل أي تصرف أو سلوك يسلكه: هل هذا من الأخلاق في شيء؟ ليس من أجل مصلحة أو نفع مادي أو معنوي ذاتي، وإنما من أجل أن تظل راية مجتمع بأسره خفاقة؟
سؤال طالما حير كثيرا من الباحثين ونظر له جل الفلاسفة، ودعت له جميع الأديان السماوية، اعتمادا على علاقة الفرد بذاته وبالآخر ثم المجتمع، فالإنسان في عصره الأول كان لا يخاطب الآخر إلا بالإشارة ثم اخترع لغة كي يأنس بالآخرين فاتسم عصره بالخطاب اللغوي الكلامي ومن هنا تطورت اللغة بين الكلام والإشارة. 
والأخلاق أو السلوك البشري هو مجموعة تصرفات وممارسات تتسم بالشمولية ابتداء من الحركات والسكنات إلى أن تشمل جميع أشكال التواصل البشري والإنساني والحضاري التاريخي في إطار القيمة.
ومن هنا كان هذا السؤال حول: هل الأخلاق والسلوك البشري فطرة فطر عليها الإنسان أم أنه يكتسبها من محيطه البيئي والاجتماعي؟
فإذا ما رجعنا إلى التحليل العلمي، سنجد أن هناك تفاوتا كبيراً بين الاكتساب والفطرة، وقد أكد كثير من العلماء والفلاسفة أن الإنسان كله خير أي أنه فطر على الخير، أما النوازع الأخرى فترجع إلى نوازع القيمة وهي مكتسبة من محيطه وبيئته، ولذك ظهرت مجموعة أفلام طرزان التى ضجت بها السينما الأميركية تؤكد ذلك في أنه ولد في وسط بيئي "غابة" فاتسم بسلوك ولغة وتصرفات تلك الغابة، وهي رؤية لا تزال محل الجدل. وإذا ما سلمنا أن الإنسان قد فطر على الخير كله وأن ما عداه مكتسب فقد يرجع ذلك كله إلى نوازع النفس البشرية التي وضعها الله سبحانه وتعالى فينا ومنها تعدد الأنفس من نفس مطمئنة ونفس أمارة بالسوء والنفس الراضية إلخ..
وقد أرجع علماء النفس ذلك إلى مبدأ اللذة معيار الصواب والخطأ أو الخير والشر، وأول من أسس لهذا الأبيقوريون وكان سلوكهم كله تابعا لهذين السببين فاتسم سلوكهم بالهمجية والسوء، لأنهم كانوا يسعون إلى اللذة دون غيرها أعاذنا الله من ذلك، ثم امتدت إلى مناهج عديدة ومنها المدرسة الرواقية ثم الفترة الحديثة لكي تنفذ إلى مذاهب جيفي بنتام وجون ستيوارت مل وسيد جويك حول الانسياق وراء اللذة.
هذا وقد نظر للأخلاق العديد، ومنهم بوزانكيث في نظريته الأخلاقية المثالية التي ردها من وجهة نظره إلى:
1- مرحلة الغريزة: حيث يكون الفعل صائباً متى كان متوافقاً مع الحاجات والميول الفطرية والغرائزية التي عرض لها ماكدونالد.
2- مرحلة العادة: حيث يكون السلوك صائبا متى كان متوافقاً مع عادات وتقاليد الجماعة التي ينتمي إليها والمجتمع الذي يعيش فيه.
3- مرحلة الضمير: ويكون السلوك صائباً متى كان مثار استحسان وقبول الضمير، ويكون غير ذلك إذا استهجنة الضمير وثار ضده..
ولا أريد أن أستطرد في كلام علمي قد يثقل على القارئ، ولكني أردت أن أنوه إلى خطورة هذه الآراء على مجتمعاتنا التي حباها الله دستورا جامعا مانعا للأخلاق وهو "القرآن الكريم وسنة رسوله المصطفى صلى الله عليه وسلم" كما قالت عائشة رضي الله عنها عن أخلاق رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام: "كان خلقه القرآن"، ولقد شرعت في تأليف كتاب عما أسماه العالم بعلم "الإتكيت" - أي علم الأخلاق - مرتكزة على الكتاب والسنة، لكي يعرف العالم أخلاق الإسلام، لأنني بحثت في هذا العلم الذي يدرسه العالم في كلياته وجامعاته فوجدته برمته في كتاب الله سنة رسوله الكريم، بل يفوق علوم هؤلاء بجميع معاييرها وقوانينها في شتى السلوك البشري، وإذا كانت الأخلاق مكتسبة فهي تتطور حسب تطور الزمان والمكان، فإذا ما دأب العلماء على البحث في هذا المجال فإنهم يلجؤون إلى التطور التاريخي أو المتعاقب الزماني لما له من تأثير وتأثر على ميزته في كيفية التأثير والتأثر في النظريات الأخلاقية في بعضها البعض، ولهذا فإذا ما رجعنا إلى الزمان والمكان فسنجد أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر وأشمل وأدق وأكثر حرصا على الأخلاق المثالية الفاضلة، وكلما امتد الزمان والمكان كانت الأعداد تنازلية في هذا الحرص، مما يهدد أمتنا وديننا الحنيف، يقول الدكتور خالد حامد الخازمي في كتابه مساوئ الأخلاق: "حينما سادت الأخلاق وعلا شأن الفضيلة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم تألق أؤلئك الصحب الكرام في أخلاقهم إلى درجة أن المذنب لا يراه أحد إلا الله تعالى، فيأتي مستشعرا بعظم ذنبه فيقول: يارسول الله زنيت.. وتقول أخرى: زنيت.. فطهرني، ويقول آخر: يا رسول الله سرقت.. وبهذا الالتزام الديني سادوا العالم، وفتحو بلادا مغلقة، كانوا بها جاهلين، وحطموا قياصرة كانوا منها وجلين خائفين، فأصبحت راياتهم خفاقة عالية". 
فهل نعاند تطور الزمان وانفتاح المكان بالرجوع إلى الأخلاق الحقة وأصولها لكي ترف الرايات خفاقة كما كانت؟ هل سأل أحد منا نفسه قبل أي تصرف أو سلوك يسلكه: هل هذا من الأخلاق في شيء؟ ليس من أجل مصلحة أو نفع مادي أو معنوي ذاتي، وإنما من أجل أن تظل راية مجتمع بأسره خفاقة، هل يقف الفرد منا يتأمل ما آلت إليه المجتعمات العربية من كذب ورياء ومصالح فردية على حساب نهضة الأمة؟ أشك في ذلك. 
فالإنسان الفرد هو اللبنة الأولى في بناء المجتمع، ومن هنا الأمة ثم مصلحته هو وذريته في آخر المطاف، فتدور الدائرة إليه هو، إن خيرا فخير وإن شرا فشر، ويحصد ما زرعته يداه دون غيره في مناخ عربي وعالمي تسوده النوازع والأهواء، ومفاسد وصراعات ومظالم تدفع إليها الضغائن والأحقاد أو المطامع والأهواء أو الرغبة في التسلط والاستعلاء، فليس لنا من درع في هذا الزمان سوى الأخلاق.. يقول الشاعر:
وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا

ما فوق البنيوية.pdf

 



الخميس، 7 يونيو 2012

ادعوا لأبي بقلم : محمد خطاب








لما رحلت و تركتني وحيدا أصارع أنواء الحياة
كنت سندي و وتد طالما شدت إليه الروح
عبد الحميد عبد الرحمن خطاب
استمتع دوما بنطقها و قلبي يعتصره الألم
اشعر باختناق لبعد
و اشتياق للقاء
يوم الرحيل كنت مثل عريس يستعد لزفافه للسماء
تحلق ذقنك و مستعجلا تجرح خديك و الدماء تتدفق
بناتي تصرخ بابا جدوا أتعور
هرعت إليك
وجدك مستمرا في الحلاقة مستمتعا وكأنك علي موعد هام
أعطيت الأطفال فلوس يشتروا الحلوي
و حملت عبد الله اصغر أبناء أختي تلعب به وتداعبه
كانت عيناك تلمعان بشكل مدهش
برز اخضرارهما و كأنهما تعكسان قطعة من الجنة
حين أخذت بناتي وذهبت لمنزلي
كان جزءا من قلبي معلقا بك
ساكنا في فضاءك
خرجت مع زوج أختي إلي المكان المفضل لك في البساتين
جلست مع الأشخاص المضلين لديك
كنت تودع كل شيء بابتسامة
الكل يتحدث عن تلك الليلة باستغراب
مبتسم ، سعيد ، ودود
عدت قبل آذان الفجر
جلست مع أخي علي كنبتك المفضلة
تحدث وتضحك
و توصيه
وفجأة يميل رأسك وتسلم الروح
دون الم  دون منازعة

حين اتصلت أمي الثالثة فجرا
قالت بصوت مستنجد : الحق يا محمد أبوك تعبان و دوه المستشفي ؟
أدركت أن الأمر أكثر من ذلك
قطعت الطريق و أنا ادعوا الله أن يكون الأمر هينا
فتشت العناية المركزة و لم أجدك
صرخت : فيه حد هنا؟ .. فين أبويا ؟
رد النوبتجي : ابوك خدوه بالاسعاف للبيت
اتصلت بأخي : انتوا بتهزروا ابوك مش في المستشفي 
قال أخي : البقاء لله
صرخت فيه و عنفته
كيف يحكم بموت جزءا من روحي
من عالمي
في المنزل وجدت أبي علي السرير نائم كطفل صغير
حالما لم اصدق انه ميت قبلت رأسه و جبينه
كان بادرا ولكن لا شيء يشي بموته
كلمته لم يتحرك
حاورته لم يرد
أدركت أنه مات
ياااااااااااه
يا أبي
خرجت روحك الطاهرة تخرج وتركتنا في ظلام دامس
جلست جنبك وحضرت غسلك
لست كباقي البشر
أنت عريس السماء
وجهك ابيض كالقمر المنير
حتى نعشك كان بنا يطير
كانت الناس تردد الله اكبر
عم عبد الحميد سريع
وكأنك في اشتياق لمغادرة الكون
و ملاقاة ربك
أبي ابحث عنك في كل لحظة عشناها سويا
ابتسامتك ، انفعالك ، تجهمك ، صبرك ، صمتك
كبرياءك ، ترفعك ، عزة نفسك
حنانك ، عطفك
حبك لنا

السبت، 7 أبريل 2012

الذاكرة التاريخية والتخطيط المستقبلي‏!‏ بقلم: السيد يسين



العالم كله ـ كما ذكرنا من قبل ـ يعيش حقبة التخطيط المستقبلي للمجتمعات المختلفة‏,‏ والتي تنتمي إلي ثقافات متعددة‏.‏ وهذا التخطيط المستقبلي لابد له ـ وقد يكون فيما نقول متناقضا مع نقدنا السابق لغرق المجتمع العربي في الماضي ـ لابد له أن أريد له أن يكون تخطيطا مستقبليا رشيدا أن يوثق الذاكرة التاريخية للمجتمع‏,‏
وأن يحلل وقائعها تحليلا موضوعيا ونقديا في آن واحد.
ونقصد بتوثيق الذاكرة التاريخية الرصد الدقيق للوقائع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي حدثت في المجتمع في مراحل تاريخية سابقة.
والمراحل التاريخية وتقسيمها وتصنيفها تثير مشكلة منهجية في علم التاريخ وهي مايطلق عليها مشكلة التحقيب
PERIODIZATION ونعني بذلك تقسيم تاريخ أي مجتمع إلي حقب تاريخية متمايزة, وتحديد بداية ونهاية كل حقبة. وهذه بالذات من المشكلات التي يختلف بشأنها المؤرخون في كل مجتمع. وذلك لأن تحديد الحقبة يعتمد علي مفهوم آخر هو القطيعة التاريخيةHISTORICALBREAK بمعني نهاية حقبة وبداية حقبة جديدة.
وحتي لايكون حديثنا علي سبيل التجريد فلنضرب مثالا من التاريخ المصري المعاصر, هناك اتفاق بين المؤرخين علي أن ثورة يوليو1952 بدأت في هذا التاريخ, ولكن متي انتهت؟ أولا هناك خلاف هل كانت انقلابا أم كانت ثورة؟
خصوم الثورة يختزلونها في كونها كانت مجرد انقلاب عسكري قام به الضباط الأحرار الذين حكموا المجتمع المصري باستخدام القوة وممارسة القمع علي الجماهير. بعبارة أخري هؤلاء الضباط الأحرارـ في نظر هذا الفريق من المؤرخين ـ أقاموا حكما استبداديا ألغي الأحزاب السياسية, وأقاموا بدلا منها حزبا واحدا اعتمدوا عليه في الحكم.
غير أن هناك فريقا آخر من المؤرخين يقبل ابتداء بأن ماحدث كان فعلا انقلابا عسكريا, غير أنه سرعان ماتحول إلي ثورة, لأن الضباط الأحرار طبقوا في الواقع برنامج الحركة الوطنية المصرية الذي صاغته القوي السياسية المختلفة من اليمين إلي اليسار, وكان الهدف منه في الواقع ليس مجرد الإصلاح, وإنما تأسيس انقلاب اجتماعي يقوم أساسا علي الإصلاح الزراعي ورفع شأن الفلاحين والعمال, وإقامة صناعة حديثة في مصر, والتغيير النوعي في أدوات وعلاقات الإنتاج.
وهكذا يمكن القول ـ في رأي هذا الفريق من المؤرخين وأنا أؤيدهم ـ أن23 يوليو1952 كانت بالفعل انقلابا ولكنه سرعان ماتحول إلي ثورة حاولت تحقيق العدل الاجتماعي الذي سعت الجماهير المصرية إلي تحقيقه منذ عام1945 علي الأقل وهو تاريخ نهاية الحرب العالمية الثانية إلي عام1952
غير أن الجماهير والأحزاب السياسية فشلت في حل المشكلة الوطنية التي تتمثل في إجلاء الاحتلال الإنجليزي عن مصر, وحل المشكلة الاجتماعية, والتي هي عبارة عن الفجوة العميقة بين الأغنياء والفقراء.
وإذا تركنا هذا الخلاف المبدئي جانبا تظل أمامنا الإجابة عن السؤال الذي طرحناه في البداية, وهو متي انتهت ثورة يوليو1952.
في قول أنها انتهت بوفاة زعيمها جمال عبد الناصر عام1970 غير أنني أري أنها انتهت في الواقع في5 يونيو1967, وهو تاريخ الهزيمة التي لحقت بمصر في الحرب ضد الدولة الإسرائيلية.
ومبرري في هذا الرأي أن الثورة حين قامت أعلنت عدة مبادئ منها تكوين جيش قوي قادر علي الدفاع عن البلاد, وإقامة حياة ديمقراطية سليمة. غير أن التجربة أثبتت ـ من واقع تخبط قرارات القيادة السياسية قبل وأثناء الحرب ـ بالإضافة إلي الضعف الشديد في المستوي المهني للقيادات العسكرية ـ أن الثورة لم تف بوعودها للشعب, ومن هنا منطق أن نقول إنها انتهت بالفعل عام1967 ونعني ذلك بالمعني التاريخي للكلمة.
توثيق الذاكرة التاريخية إذن وتحليلها موضوعيا ونقديا مهمة أساسية ينبغي أن تسبق أي تخطيط مستقبلي. وذلك لأنه من الضروري لأي مجتمع أن يستخلص العبرة من تاريخه الماضي, حتي يتلافي السلبيات التي عوقت مسيرة تقدمه, غير أننا في مجال التحليل الموضوعي والدراسة النقدية للوقائع نصطدم بمشكلة تأويل التاريخ. بعبارة أخري الوقائع التاريخية أمامنا وقد وثقناها بالفعل من مختلف المظان والمصادر, ولكن كيف يمكن لنا أن نؤول هذه الوقائع!
هنا تظهر لنا مشكلة التفسير في العلوم الاجتماعية, فلا يكفي حتي في البحوث الميدانية الاعتماد علي المؤشرات الكمية ونشر الجداول الإحصائية, وإنما لابد من تفسيرها والتفسير ـ بحسب أدق التعريفات في فلسفة العلوم ـ هو وضع الظاهرة المفسرة في سياق قانون عام غير أن هذه الإجابة لاتحل المشكلة, لأنه سيثور سؤال عن طبيعة هذا القانون العام.
ويمكن القول إن فلاسفة التاريخ المشاهير مثل توينبي في كتابه المعروف دراسة للتاريخ, ويثيرم سوروكين في موسوعته النادرة الديناميات الاجتماعية والثقافية حاولوا صياغة قوانين عامة عن التطور الاجتماعي والتغير الثقافي بعبارة أخري قدموا نظريات عن نشأة وانهيار المؤسسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ومن ثم يمكن ـ في مجال تأويل التاريخ ـ الاستناد إلي هذه النظريات.
وفي ضوء ذلك يمكن القول إننا لو كنا بصدد تخطيط مستقبلي لدولة مثل مصر فلابد أولا من تحليل الحقبة التاريخية التي بدأت بإصدار دستور عام1923, حتي نهاية الحقبة بقيام انقلاب أو ثورة1923.
ونفس التطبيق ينبغي أن يتم بالنسبة لبلد كالكويت علي سبيل المثال ـ لابد من دراسة التجربة الديمقراطية في الثلاثينيات, إن أريد رسم تخطيط مستقبلي للدولة الكويتية.
توثيق الذاكرة التاريخية وتحليلها موضوعيا ونقديا إذن هو الخطوة الأولي اللازمة قبل الشروع في التخطيط المستقبلي لمجتمع ما.
غير أن الخطوة الحاسمة الثانية هي ضرورة القراءة المستوعبة والنقدية للتغيرات الأساسية التي لحقت ببنية المجتمع العالمي, وذلك لأن أي تخطيط مستقبلي لايقوم علي أساس فهم التحولات الكبري التي حدثت في العقود الأخيرة يعد لا معني له في الواقع, لأن المستقبل لابد أن يبني علي ماحدث في الحاضر, غير أن رسم خريطة معرفية للتغيرات التي لحقت ببنية المجتمع العالمي ليست هينة ولاميسورة. لأنه يقتضي الرصد الدقيق لهذه التغيرات من ناحية, وفهم المنطق الكامن وراء كل تحول من ناحية أخري, في ضوء منهج تكاملي يغطي ميادين السياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة.
ورسم هذه الخريطة يقتضي أولا: تحديد القطيعة التاريخية التي حدثت بين نهاية نموذج المجتمع الصناعي وصعود نموذج مجتمع المعلومات العالمي, والذي يتمثل أساسا في بداية عصر البث التليفزيوني الفضائي من ناحية, وبروز شبكة الإنترنت من ناحية أخري, والتي تمثل فضاء عاما جديدا تتم فيه تفاعلات عديدة ومتنوعة لم تشهد الانسانية له مثلا من قبل.
غير أنه بالإضافة إلي ذلك لابد من التركيز علي الظاهرة الكبري التي تملأ الدنيا وتشغل الناس وهي العولمة.
والعولمة ـ كما صغنا من قبل تعريفا إجرائيا لها ـ هي سرعة تدفق المعلومات والأفكار ورءوس الأموال والسلع والخدمات والبشر من مكان إلي مكان آخر في العالم بغير حدود ولاقيود.
وهذا التعريف الإجرائي يمنحنا في الواقع فرصة لتحديد العمليات الأساسية التي تنطوي عليها العولمة. غير أنه لايغني في فهم تناقضات العولمة ذاتها باعتبارها عملية تاريخية.
فهناك أولا أنصار العولمة الذين يعتبرونها حلا شاملا لمشكلات الاقتصاد والتطور الاجتماعي, وهناك فريق آخر يعتبرها أكبر عقبة في سبيل تنمية المجتمعات عموما, ومجتمعات العالم الثالث خصوصا.
ومن ثم لابد لصانع القرار ـ أيا كان ـ الذي سيتصدي للتخطيط المستقبلي لمجتمع ما أن يكون قادرا علي فهم وتحليل تناقضات العولمة. وقبل ذلك تكون له القدرة علي اتخاذ موقف رشيد, لايتمثل في رفض العولمة بطريقة مطلقة لأن هذا في حد ذاته مستحيل عملا, أو في قبولها بشكل كامل, فذلك يمكن أن يؤدي إلي الإضرار بالمصالح القومية.
ومن هنا تدعو الحاجة إلي صياغة حل يقوم علي التأليف الخلاق بين جوانب العولمة المتعددة بحيث يقلل ذلك من الخسائر ويعظم من المكاسب.
غير أن القدرة علي صياغة هذا الحل التأليفي الخلاق لايمكن أن تتبلور إلا إذا صدر صانع القرار عن رؤية استراتيجية متكاملة لصورة المجتمع المرغوب, ونحن ـ في مجال الدراسات المستقبلية ـ نفرق بين المجتمع المرغوب, والمجتمع الممكن.
بعبارة أخري قد نرغب في صياغة مستقبل مجتمع ما بصورة معينة, غير أن ذلك قد لايكون ممكنا لعدم توافر الشروط الذاتية والموضوعية للتغيير.
والشروط الذاتية تتعلق أساسا بالنخب السياسية التي ستقوم بالتغيير من ناحية وبالجماهير من ناحية أخري.
والسؤال هنا: هل هذه النخب السياسية التي ستقوم بعملية التغيير جاهزة لهذه المهمة من الناحية المعرفية أولا:ونقصد معرفة ما جري من تحولات في العالم, ومن الناحية السياسية ونعني توافر إرادة التغيير من ناحية والقدرة علي القيام به من ناحية أخري, وأهمية استعداد الجماهير للتغير بما في ذلك التخلي عن عديد من القيم السلبية المعوقة, وتبلور الإرادة الجماعية للاحتشاد وراء مشروع قومي قابل للتنفيذ وليس مجرد يوتوبيا نظرية.
غير أن العوامل الموضوعية لاتقل أهمية عن الشروط الموضوعية, ونعني بذلك حالة أدوات الإنتاج السائدة في المجتمع وامكانية تحديثها وتطويرها وشكل علاقات الإنتاج, والحاجة إلي إعادة صياغتها بما يتفق مع الرؤية الإنتاجية المطلوبة.
بعبارة موجزة.. نحن في مجال التخطيط المستقبلي لأي مجتمع نحتاج إلي التأويل الصحيح للماضي والفهم العميق للحاضر, والرؤية الاستراتيجية للمستقبل.